فهرس الكتاب
209/1 كصاحب الترجمة والتاموديزتي وأمثالهما, فلم يطق الشيخ إمساك عينيه فقال: والله لولا أن الذي تطلبونه وهو وحده سبب اتصال ذات ما بيننا لا يحصل لكم إلا بهذا, ما كان في صدري قلب يستمسك حين يراكم على هذه الحالة. وأخبرت أيضا أن الشيخ خرج يوما في حمارة قيظ فرأى صاحب الترجمة مضطجعا إزاء حائط وقد أدركته الشمس, فتناول رداءه من فوق ظهره فجعله عليه ظلة تقيه وهج الحرارة من غير أن يوقظه, ومما وقع له في هذا الصدد أنه كان سائحا مع إخوانه المتجردين فوصلوا (أرازان) برأس الوادي, فاقترح عليه أهل القرية أن يطلبوا من الله الإعانة بالأمطار, وقد فسدت المزروعات ودب اليأس إلى القلوب, فقال الفقراء للمترجم: إننا نربطك في هذه المهمة, فتوجه كله إلى ربه ليقضي هذه الحاجة, فسرعان ما انهلت الأمطار حتى اكتفى الناس, فقال الفقراء: هذه كرامة كبيرة, ولا بد أن تكرم الفقراء على العادة شكرا على ذلك, فصار كل واحد يقترح منيته فهذا قميص وهذا نعل إلى أن تكون من ذلك كله ما يكون ثمن جميعه ست ريالات حسنية, وهي إذ ذاكـ خصوصا في هذه البلاد المقلةـ مال له بال, فخرج المترجم إلى سوق هناك فوقف ينادى:
ألا من يمد لي لله ست ريالات؟ يكرر ذلك جهارا, فكان الناس يمدون إليه قروشا فيردها فيقول: إنما أريد الست ريالات دفعة واحدة, فسرى التعجب منه في السوق, حتى أخبر بذلك تاجر من سكان تلك الجهة متمول ولكنه مَادِرُ زمانه, فكان من الغرائب أن جمع ذلك في يده فقام حتى مده للمترجم, فكانت كرامة أكبر من أختها عند كل من يعرف الرجل, فاشترى كل الفقراء مناهم وكانت تلك عادة الفقراء, أن يكرم الفقير إخوانه متى ظهر عليه شيء يسره من ربه كرؤيا حسنة, أو كرامة أظهرها الله على يده, ولعل ما فعل كعب بن مالك يوم أكرمه الله بالتوبة ما يستأنس به لذلك حين خرج عن بعض ماله.