فهرس الكتاب
(ولما تم نظم هذه الرحلة بـ(إيرازان) وانتفي بإحسانهم إلينا كرب السفر والأحزان تعين علينا أن نذكر أهله وما هم عليه، إذ نجدة الرجال لا تهمل ولا تمهل، فنقول: إن (إيرازان) هو مدشر عظيم، احتوى على ثلاث حمامات، ومساجد للصلوات المفروضات، وفيها ما ينيف على ألف مقاتل، وهم أهل عصبية وحمية، وشوكتهم في الحرب لا تكسر، فقد كان (بومهدي) قائدًا على (سوس) وجمع عليهم الجموع، واستنفر لهم من رعاياه الكل والمجموع، وأراد أن يقفر منهم المنازل والربوع، وأحاط بهم من سائر الجهات، ونصب المدافع، ورتب الرماة، وهم يومئذ زهاء ثلاثمائة، لكنهم أبطال وكماة، وهمَّ طلبة المسجد من بين أظهرهم بالخروج خوفًا من أن ينالهم من مكر الطاغي ما ينال أسير العلوج، فبعثوا سرًّا لشيخ الطريقة، ومعدن السلوك والحقيقة أبي العباس سيدي أحمد بن محمد الميموني التيمكيدشتي، وهو يومئذ بمحلته، وتحت يد طاعته، وما درى أنه محفوظ بإذن الله من جرأته؛ ليشير عليهم بالخروج أو غيره، فأشار عليهم رضي الله عنه بالجلوس، وقال لهم: لا سبيل له في دخول (إيرازان) ولو يأتيها بكفار المجوس، فكان كما قال رضي الله عنه (اتق الله ترى عجبًا) ثم أنه زحف لهم وقت صلاة الجمعة، ففرقوا في الحين جمعه، وأقفروا منزله وربعه، وحيث أيقظ الفتنة وهي نائمة، لم تقم له بعد قائمة، وناله من دعاء الشيخ مرض السل، فأصبح عزه ذاهبًا، وكساه الله ثوب المقت، إلى أن مات بسجن الذل، وبسبب ذلك ارتفع لأهل (إيرازان) الذكر، وعرفوا أن ذلك ببركة شيخهم فأعلنوا بالحمد والشكر، ولا زالت رحى الحرب عليهم تدور، فكم أقفروا للباغي من مدشر وأخلوا له من دور، وقبائل (سوس) 202/6