الصفحة 283 من 9223

211/1 توفي هذا عام 1308ه وقد أخبر أحد الزكريين أنه ما رأى من شغلته نفسه وأعرض عن كل العوالم جمعاء, وثارت فيه محبة الله فأنسته أهله وأولاده ونفسه حتى لا يبالي بمطعم ولا بمشرب إلا رجلا واحدا, قال: طرقني وقد كنت يوما واقفا على صهريج قريتنا, وقد وصلتني نوبة السقي بين الجماعة, فبثقت منبعه فإذا بي أسمع هيللة يجهر بها, وقد انحدر علي من ثنية تصاقب قريتنا, فما أن سمعت هيللته حتى ملكت علي مشاعري, فوقفت مشدوها, فنسيت الماء الذي يتدفق من الصهريج فوقفت في مكاني حتى مر بي الرجل وهو في مرقعته والهيضورة على كتفه والعكازة بيده, وهو لا يلتفت وعلى محياه أنوار تلألأ كأنها أنوار الشمس في الجو الصاحي؛

فتبعته لعلي أسأله من أين هو؟ وهل يحتاج إلى طعام؟ وما مقصودي وراء ذلك إلا أن أشاهد محياه مرة أخرى, فمال إلى ظل سرحة إزاء القرية فاضطجع وغطى وجهه, فوقفت عليه أسائله, وهو لا يجيبني ولو بكلمة واحدة, ثم اجترأت فمددت يدي فزحزحت غطاء وجهه فنهرني بهذه الجملة:"ما كان ينبغي لك أن تسأل إلا عن أمور دينك وما تتوقف عليه إن وقفت بين يدي ربك"هذا كل ما قال, ثم غطى وجهه ثانيا فذهبت إلى الدار فأتيت بطعام فإذا بالرجل لا عين ولا أثر فبقيت في قلبي نكتة منه ثم لم تمض إلا سنوات حتى وصل إلينا الشيخ سيدي الحاج علي بطائفته, فإذا هو ذلك الرجل بعينه فكنت أول من التحق به في القرية, وأحمد الله على ذلك, أقول: إنك صاحبت معي صاحب الترجمة في هذا الحال ورأيت كيف كان حاله في طور التجريد وكيف كان إذا ساح وحده, فقد رأيناه كأنه أحد رجال كتاب (روض الرياحين) أو أحد المذكورين في (الرسالة القشيرية) .

في جبالة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت