الصفحة 2833 من 9223

فنام نومة خفيفة فيما بين ذلك فيتوضأ ويقرب أهل مجلسه إليه؛ ويقول: أين أهل القرية التي كنا فيها؟ فيأمر أن يحضر رجالهم ونساؤهم ليسمعوا الذكر والمواعظ، فيبدأ مجلسه كما تقدم بالعزم والحزم حتى يختمه على النمط المذكور في مسجد تلك القرية إن اتسع، وإلا فيخرج مع الواعظ إلى مكان متسع، فيجلس والذاكرون في ناحية والنساء في ناحية، وظلمة الليل بينهم، فإذا ختمه ترى عزمه رضي الله عنه منحلًا، ويقول للواعظين: بقية الليل لكم . ويحرضهم على بيان دين الله للنساء والرجال، ويقرءون (أكبيل) (1) وغيره، ويبينونه للحاضرين بحضرة الشيخ، هكذا إلى ثلث الليل الأخير 213/6

214/6 وهو من علماء التوقيت، فيدعو ويقول للفقراء: سخنوا الماء للطلبة والحاضرين، واحفظوا لنا الوقت، ليلا نكون كالكلاب ينبحون أول الليل وينامون آخره. ويضع رأسه للنوم على سجادته فقط هنية قليلة، ثم يقوم ويتوضأ، وما توضأ قط إلا أفضل من وضوئه، وكنا نشرب منه للتبرك، ثم يتهجد، وكان يحب قيام آخر الليل لا يفوته، في سفره ولا حضره، ويقول: لا رجال إلا رجال الليل، ومن لا قيام له في آخر الليل فقد فاته خير كثير . وحاصله أنه رضي الله عنه كان حريصًا على اتباع السنة، مبغضًا لأهل البدع، وهو من حسن الخلق، وحسن اللقاء والبشاشة وحلاوة الكلام ومكارم الأخلاق، ولين الجانب لكل بر وفاجر ليتوب، والجود والسخاء بمكان لا يجهل، ومحل لا يؤمل، هينًا لينًا سهلًا، حسن الظن بالخلق جميعًا، وخصوصًا أهل الدين، متحملًا للأذى من الإخوان والجيران، ولا يقلق على أحد في داره ولا في خارجها، جعل الله له لسان صدق في الآخرين، وأقر به أعين الناظرين.

(فصل) في ذكر سيرته وأدبه في زيارته الأولياء الأحياء منهم والميتين رضي الله عنهم أجمعين:

(1) يعني مؤلفات سيدي محمد بن علي أكبيل بالشلحة المنظومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت