الصفحة 302 من 9223

قرأت معي أيها القارئ حالة صاحب الترجمة في هذا الدور الذي بقي فيه بين الفقراء بعد موت شيخه, كما رأيت أحواله أيضا قبله وهو تحت يد شيخه, فلا شك أنك تدرك من كل ما رأيته أنه ممن يؤثر الخمول, ويقنع بالعزلة, وممن ينفذ على نفسه قول الصوفية: الخمول كله نعمة, والظهور كله نقمة, فقد عرض عليه أن يكون نائب الشيخ, وكان غالب الفقراء لا يبتغون به بديلا, ولكنه نفض اليد من ذلك وقنع بأن يكون تابعا لا متبوعا, ثم صدق قوله بفعله, فدام نحو ثلاث سنوات على ما عاقد عليه إخوانه, هذا مع أنه يحكي عن نفسه أنه منذ توفي شيخه كانت هواتف وإلهامات تستنهضه لإرشاد العباد فما كان يلتفت إلى ذلك خوف أن يكون من الشيطان الذي لا يؤمن مكره, وقد حكى عن نفسه أنه سمع عام 1299ه وهو في قرية أينشادن قائلا يقول له: (زد هان أردن ران أدتزايادن) (أي زد أمامك فإن القمح سيزداد) كما وقع له مثل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رآه كما قال عيانا في مسجد قريته في ثاني الأضحى عام 1301ه ووقع له مثل ذلك كثيرا, ولكنه يتهرب ويأبى الظهور كل الإباء, وقال: إن ذلك كان على أذاك كنقل الجبل, فيقنع أن يؤدي تلك الوظيفة من إرشاد عباد الله تحت يدي سيدي الحاج الحسن فكان في تلك السنوات يبذل جهده في الإرشاد مع بذل جهده أيضا أن ينسب ذلك إلى هذا السيد لا له, هذا ما كان نوى وعزم عليه, ولكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه.

في لغتنا الشلحة مثل يضرب (يان واش كا إيتلين غ أفولوسن أف ياسن أمان) معناه (إنما يكون في الدجاج منحوس واحد فيهرق ماءهم) يعني فيبقون عطاشا, والمقصود بذلك أن الجماعة التي تضم في صفوفها من يفسد عليها رأيها فإنها لا يلبث رأيه أن يفسد الجميع, هذا بعينه ما وقع لهؤلاء الفقراء الذين طلقوا الدنيا وأقبلوا على ربهم بكلياتهم, فإن فيهم من ليس مقصوده ذلك, كما يكون بين كل جماعة من يشذ عنها وعن مبادئها وإن تزيا بزيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت