الصفحة 303 من 9223

جلس أصحاب سيدي الحاج الحسن مرة للمذاكرة, وفي يد المترجم كتاب يذاكر فيه, فجرت عبارة صوفية اختلفت فيها أذواق الحاضرين فتداولوها, وكان الغالب في ناحية والمترجم في أخرى فتجاذبوا المسألة بأدب ووقار على عادتهم دائما, وكان فقير طالب يسمى إبراهيم بن الحسن الإيعداني المجاطي حاضرا للمذاكرة, وكان ممن لم يقدر تهذيب التصوف أن يستل من أعماق صدره ما كان ألفه بين رجالات قبيلته من مراغمة من يجاذبونه بعنف وبطش, فلم يلبث في ذلك المجلس أن قام مسرعا من مكانه, فمد يده إلى خد المترجم فلطمه ونزع من حجره الكتاب, وهو يقول له: في كل مرة يا مدعي 222/1

223/1 تلج في المذاكرة وتأبى أن تطأطئ الرأس لسادتك, ويأبى لك ادعاؤك إلا أن تجاذبهم الحبال كأنك لا تعرف مقامك ولا منتهى قدرك, فقام المترجم وأعلن بالتوبة, فمال على رأس اللاطم فقبله, ورجع إلى مكانه مطرقا, وما قاله الفقير إبراهيم بن الحسن الإيعداني من أن صاحبه لا يسلم في المذاكرات أخذه مقلوبا مما يراه بينه وبين رئيس الفقراء الشيخ سيدي الحاج الحسن إذا كانا يتذاكران وهما من الإفران وسيدي الحاج الحسن لا ينظر إلى ذلك نظر الإيعداني, فكان هذا وأمثاله يريدون أن لا يروا أحدا يتكلم أمام خليفة شيخهم أصلا, كأن ذلك مما يدل على أنه لم يدخل بعد في نطاق الإجماع الذي وقع على اتخاذ سيدي الحاج الحسن خليفة للشيخ سيدي سعيد المعدري, وحول العقول أمثال الإيعداني موجودون في كل طائفة.

إثر هذه اللطمة تم للمترجم ما تم؛ كما ستراه أمامك, فقد طارت اللطمة كالديناميت الذي يتفرقع بين أركان بناء متماسك فيهتز بغتة فيسقط ما يسقط وينشق ما ينشق ويبقى ما يبقى, فقد امتعض الفقراء مما جرى من الإيعداني إلا قليلين ممن هم على رأيه فتمشى الشقاق بين القلوب سرا, من غير أن يكون لذلك تأثير جهرا, ورحم الله أبا العباس القباج أديب الرباط إذ قال:

ويح الرجال من الرجا *** ل إذا تنافرت القلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت