فهرس الكتاب
أما بعد، فيا سيدي: إليك من نفس لجوج، ديدنها أن تطاول إلى رود كل المروج، فلا تقوى تعلقها، ولا حياء يشكلها، وقد سرحت كما تشاء في أمانيها، تتوقل في حزنها وتترنح في سويها، تمر بالعظة، فلا تسمع من أقوالها لفظة، وتعترض النذر والمثلاث ((1) ) فتصم وتعمى عن المزدجرات، حتى قسا القلب، واندق الصلب، وانقطع النخاع، وتوالى الانصداع، وخيف من خسارة الصفقة وأن يضل المصدق بالدين صدقه، هذا والجنائز في كل يوم تتوالى، من المجدين والكسالى، والقبور في اعتمار، والقلوب في كل يوم تتوالى، من المجدين والكسالى، والقبور في اعتمار، والقلوب هادم اللذات، ومفرق الجماعات.
وقد كنت كتبت إليك يا شيخنا حين ألزمني الإمام خطة القضاء، أستعين بك في الخروج من ذلك المضيق إلى الفضاء، وبينت أنني لست 33/7
34/7 لذلك بأهل، وأن الجلوس بين الخصوم ما هو لدي بسهل، وقد عرفت من نفسي ضعفا كبيرا، وكنت بنفسي بلا ريب خبيرا، فأجبت في أن أنزل على رضا الإمام، وإنه أفضل ما يقدمه العابد أمام، فقبلت على مضض، وأنا موقن أن سهمي سيخطئ الغرض، وأن العشاء سقط مني على سرحان ((2) ) وأنا أعزل لست بنبال ولا بذي مران ((3) ) ثم تحاملت على نفس متبعا، بعدما ألح على أميري وشيخي معا، وفي اليوم بلغ الأمر منتهاه، وتقطع من الدلو عروتاه، فبلغ السيل الزبي، وغرقت رؤوس الربا، فأيقنت أن لا مناص من أن أمد يدي إليك يا شيخنا ثانيا، آملا أن لا تزوي عني اليوم ما كنت أمس عني زاويا، فإن بيت شيخنا عندي عاتكة الذي قيل فيه:
يا بيت عاتكة الذي اتعزل *** حذر العدا وبك الفوائد موكل
(1) - المثلاث بفتح فضم: العبر يعتبر بها ويتعظ.
(2) - السرحان بالكسر: الذئب، وذلك مثل.
(3) - المران: بضم الميم والراء المشددة: الرماح، وأصل ذلك للشجر الباسق والنبال صاحب النبل.