فهرس الكتاب
قضى الله بالوباء الشديد في مراكش، وفيها إذ ذاك السلطان أحمد الأعرج - وسماه في الروضة أحمد الذهبي، وهو غلط واضح - وقد كان إمامًا عادلًا قائمًا بالقسط، واقفًا على حدود الله، وافيا بالعهود، لا يميل إلى الباطل طرفة عين، يرفع الحق، ويمحق الباطل، ولا تستميله الشهوات كغيره من الملوك، وكان عالمًا يشاور العلماء في كل أمر، خوف أن يزيغ، ويزن دائما بالقسطاس، فحين نزل الوباء هناك، وكثر الموت، وكان الأمر عظيمًا إلى الغاية، يفر المرء من أقاربه، خرج من مراكش، وذلك عام 932 هفنزل في ( تامدولت ) بأقا ستة أشهر، فاشتغل هنالك باستخراج المعادن فيها، وهي معادن النحاس في جبال على وادي ( تامزرارت ) وقد كان الشيخ إبراهيم بن عبد الوافي بن علي المرقوشي، يسيح في ذلك الجبل، وقد أطلعه الله على تلك المعادن، فهو الذي أرى السلطان المعدن، فخدم فيه بستمائة من الخدمة أياما، فإذا بالقبائل العربية والشلحية تتقاطر بجموع كثيرة، فخالفوا السلطان، فخرج إليهم جريدة بستة آلاف فارس وراجل، ثم ظهر أنه لا يقاومهم، لأن القبائل كثيرة، وهم إزاءها شرذمة قليلة، وهي في تزايد كل يوم، فتحير السلطان فلم يدر ماذا يصنع، فقال له الشيخ علي بن شاكر البربوشي - وهو من أصحاب الشيخ محمد بن إبراهيم التامانارتي: أرسل إلى الشيخ التامانارتي، فهو الذي سيريحك من هذه القبائل، فقد شهدت من بركاته غرائب وعجائب، ففي الحين حرر إليه كتابًا ملأه بالتشكي من القبائل، وإن المال قليل، فأرسله على يد أعرابي، فأصبح به على الشيخ قبل طلوع الشمس - واقا قريبة بيوم من ( تامانارت ) - فخرج الشيخ مسرعا وهو يقول: سبحان من لا شريك له في ملكه، سبحان من لا ينازعه أحد في ملكه، سبحان من ينصر من يشاء بفضله من عباده، سبحان من يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وهو الفعل المختار، يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة.