فهرس الكتاب
ثم إن الإلغيين وإن كان لهم بالأدب العربي العام يد طولى، فقد أولعوا ولوعا خاصا غريبا بالأدب الأندلسي، فقد وافق أن ظهر ( نفح الطيب ) بالمطبعة الأميرية الأولى، فاكبوا عليه حتى امتزج بلحمهم ودمهم أدب ابن الخطيب وابن جزي وابن سهل وابن شهيد وابن زيدون وابن عبد ربه وابن خفاجة وابن عباد وابن عبدون وابن خاقان وابن بسام وابن اللبَّانة، فلا يمكن أن يشذ عن غالبهم شيء في كل أجزاء ( نفح الطيب ) الأربعة الضخام، فكان ( النفح ) مصحفهم، وكل الأبيات اللطيفة ومطالع القصائد البارعة، والقضايا النادرة يستحضرونها كأنها مرسومة تحت بصرهم، أو لا تزال صفحاتها مفتوحة بين أيديهم، وهذا الفن الأندلسي هو الذي لقح به الأدب الذي كان سائدا على المدرسة ( الجيشتيمية ) فدخل به من الذوق الجديد على الأدب الجزولي ما لم يكن فيه معروفا يوم كان أدب الجيشتيميين وحده، مع استحضار كثير من أقوال الشعراء الجاهليين والمحدثين، فقد درسوا الدواوين وطالعوا من كتب الأدب العامة كل ما وجدوه أمامهم.
هذا كله مهر فيه الأساتذة في المدرسة ( الإلغية ) كما مهروا أيضا في السيرة النبوية التي درسوها من ( السيرة ) لابن هشام و ( المواهب +اللدنية ) فلا يكاد يشذ عنهم شيء فيها أيضا، فهذه بيئة منشئ المترجم.
الرحلة إلى تارودانت
في أواخر 1305 هحفزت الأستاذ همته الطموح ليزداد أخذا فيضم علوما أخرى إلى ما كان استقاه من المدرسة ( الإلغية ) فاستأذن أبا الحسن أستاذه فلحق بالأستاذ أحمد امزاركو وبأبي العباس الجيشتيمي هو ورفيقه سيدي العربي الساموكني فجاورا هناك نحو سنة في مدرسة ( الغرباء ) أخذا فيها الأصول والبيان والتفسير عن الأحمدين المذكورين، فهذان أستاذان آخران للمترجم زيادة على من ذكرناهم من الإلغيين ومن إليهم.