الصفحة 3119 من 9223

وفي يوم آخر استدعاني فأتيته أيضا بـ ( القلائد ) كأنني أتنفج بأنني أتعالى إلى الأدب العالي، وما الأدب العالي إلا أدب الأندلسيين إذ ذاك، فحين جلست، تناول الكتاب ففتحه على ترجمة ( الوزير الكاتب أبي عامر بن الأرقم ) في وسط الكتاب، فعل ذلك لئلا اختار أنا ترجمة كنت مررت عليها قبل، ومقصوده أن اتلوا ما ربما لم أره بعد، ليرى مقدار تقدمي، فابتدأت الترجمة، فصرت أتلو، وهو يسألني، فإما أن أجيب، وإما أن يريني ما أجهله، وقد كان لطيفا في ذلك فلما وصلت وصف المترجم ( فنبت أبو عامر في تربة العلم ونشأ في حجره، وشدا بين سحر البيان ونحره ) سألني عن المقصود بالسحر فقلت ( الرئة ) وإن الكلام مأخوذ من قول عائشة ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري ) وقال لي لله درك يا ولدي، ثم قال: روى كلام عائشة أيضا ( بين شجري ونجري ) بالشين والجيم، والمقصود فوق ذقني، ثم قال الأستاذ: السحر بفتح فسكون أو محركا، أو بالضم كقفل، ثم لما وصلت في الترجمة ( حتى ارتوى من صافي الأدب ونميره، واحتجن من مصوحه ونضيره ) فسر لي معنى تصويح النبات، أي ذبوله، وأنشد:

لعمر أبيك ما نسب المعلى *** إلى كرم وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرت *** وصوح نبتها رُعي الهشيم 88/7

ثم وصلت هذه القصيدة لصاحب الترجمة:

سريت والليل من مسراك في وهل *** مبرأ العزم من أين ومن كسل

وسرت في جحفل يهدي فوارسه *** سناك تحت الدجا والعارض الهطل

والبدر محتجب لم تدر أنجمه *** أغاب عن سرر أم غاب عن خجل

هوت أعاديك من سار يؤرقه *** ركض الجواد وحمل اللائمة الفضل

إذ الملوك نيام في مضاجعهم *** مستحسنون بهاء الحلى والحلل

لله صومك برا يوم فطرهم *** وما توخيت من وجه ومن عمل

نحرت فيه الكماة الصيد محتسبا *** وحسب غيرك نحر الشاء والإبل

إذا صرير المدارى هزهم طربا *** الهاك عنه صرير البيض والأسل

وإن ثنتهم عن الإقدام عاذلة *** مضيت قدما ولم تأذن إلى العدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت