الصفحة 318 من 9223

كثيرا ما نرى هؤلاء الذين ذاقوا من بين الفقراء المخبتين المنيبين ما لم يذوقوه ما بين الطلبة المماريح المفاريح المفاكيه, ووجدوا ما بين أيديهم وأثناء مذاكراتهم وبين طيات أحوالهم ما لم يكن يخطر لهم على بال حين يجولون في متون العلوم المعهودة فتراهم وقد انتشوا بما انتشوا به, مما عبر عنه بعضهم إذ قال:"لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف"لا يجدون بعد ذلك من أنفسهم ميلا إلى خوض هذه العلوم التي يسمونها العلوم الظاهرة والرسمية إلا إذا اضطروا لذلك, فتراهم يقتحمونها كما يقتحم المرغم الخائف أرضا شائكة, والحق يقول من يقول:"إن التصوف إذا سبق تمكنه في فكر الإنسان يجتث من أعماقه جذور محبة العلم المتعارف والميل إليه"حتى قال ابن عرفة:"كل من رأيته ينتاب الصوفية من طلبة العلم فاعلم أنه لا يجيء منه شيء"ويرحم الله أبا إسحاق البلفيقي دفين الرحبة القديمة بالحمراءـ ذكر الله الحمراء بكل خيرـ إذ قال:"من أراد الله به خيرا شغله أولا بالعلوم حتى يتمكن فيها, ثم بعد ذلك يذيقه من التصوف فيكون سعيدا"أو كما قال, هذا ما يقال في الصوفية والعلماء, لا يزال كل واحد منهم يسعى إلى غاية واحدة يوم كان التصوف لم يشب بعد بكل هذه الشوائب التي أذهبت رواءه وقلبت المقصود منه إلى ضده, ويوم كانت أيضا هذه العلوم لما يسف أربابها هذا الإسفاف المخزي حتى كان العلم جهلا, وحتى كان متعلمه يتعلم الجهل والغفلة والعنجهية والإعراض عن إصلاح نفسه, وكان ذلك يوم يتقارب الفريقان ثم أتى الوادي فطم على القرى واختلط الحابل بالنابل واستنت الفصال حتى القرعى (1) فذهب رواء التصوف والعلم معا, فاختلفت النيات فضرب بين الطائفتين بسور من حديد حتى لا اتصال بينهما, فما ظنك بنظرة الصوفية إلى

(1) طم على الشيء: غمره, والقرى كغنى: جدول الماء, واستنت: جرت, والفصال: جمع فصيل: صغار الإبل, والقرعى: التي أصابها القرع, والجمل الثلاث أمثال عربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت