فهرس الكتاب
إن الثانية من السياحات التي قام بها الشيخ بعد تلك التي ذكرناها إلى آقا, هي سياحته إلى قبيلة أملن ومعه طائفة من مريديه الجدد كسيدي الحسين بن مبارك المجاطي, وسيدي بوهوش الدوكاديري وأمثالهما من قدماء مريديه الذين ارتشفوا منه الرشفة الأولى, كما كان فيها أيضا كثير من إخوانه ممن ينتسبون إلى سيدي سعيد المعدري فجال هنالك في أملن بالإرشاد الخاص والعام مما كان يفيض حديثه علينا به سيدي بلعيد الصوابي, قال: طرقت إذ ذاك تلك القبيلة إثر رجوع الشيخ منها فوجدت أحاديث المنتديات كلها تدور حوله, فتسهب في تتبع ما شاهده الناس من قلوبهم أولا حين تأثرت بكلامه تأثرا عجيبا وفيما أبصروه ثانيا من أحوال الشيخ حيث يباين صنيعه في سياحته ما كان معروفا عن المرابطين الذين يسيحون بزعم إرشاد الناس ولكنهم لا يرضون عن أهل قرية إلا بمقدار امتلاء جيوبهم وانتفاخ وفاضهم, فجاء هذا الشيخ الجديد على عكس ذلك, فإنه عزوف عن قبول ذلك بعدما يقدم له فضلا عن أن يعرض به أو يصرح به بين الملإ كما هي عادة المرابطين السائحين, وكل شغله الشاغل في تعليم الناس التوحيد وإرشادهم إلى ربهم وكف أيديهم عن مدها إلى أي إنسان إلا بما يرضاه الله ورسوله, يبث ذلك بلسان مؤثر ووعظ يفلق الصخور ويفتح الصدور, قال: وكان أيضا مما أثار عجب الناس العجاب تلك الهيأة التي يذكر بها الناس الفقراء الدرقاويين, ولم يكن قط أهل هذه البلاد يسمعون بها فضلا عن أن يروها, فكان مجموع ذلك مما أثار زوبعة هائجة من التعجب من الشيخ, قال: فوجدت أناسا كنت أعرفهم ناصريين قد استحوذ عليهم الشيخ فمدوا إليه أيديهم, فاعتنقوا طريقته فصاروا يحكون لي ما يذوقونه بعد أن التقوا معه من طمأنينة وسكينة وإخلاص, مما كانوا لا يتذوقونه قبل اليوم مع قيامهم بأذكار كثيرة ومجاهدات لا تنقطع, قال: فقلت لهم: إنني كنت أعرفه قبل اليوم حين كان مشارطا عندنا في مدرسة فوكرض, قال: وممن كان أخذ عنه إذ ذاك