فهرس الكتاب
على جبل فاستحثنا بصوت صهصلق (1) كأنه (47/8)
(48/8) يختنق، فأسرى بنا إسراء غريبا يخب بنا في سهل خببا ويدب بنا في حزن (2) ديبيا، وقد مال بنا عن الجادة معتسفًا في مخارم الوديان ومناكب الشعاب (3) حتى أصبحنا على مدينة كنا نحسب أن بيننا و بينها مسيرة يومين كاملين، فإذا به قطع بنا إليها في مسيرة ليلة واحدة كأنها غمضة من عين، وكنت أتعجب من دليلنا الذي يسبقنا كثيرًا، ولا يمكننا في لحوقه حتى تبدى الصبح في شروقه (4) فصرت أمعن في عينيه وهو يتغطى عني عمدا، حتى استغفلته، وقد سقط بعض لثامه، فشاهدت أبا الغيداق هو الذي يوليني كل اللية صدا، فقلت الآن صرحت جداء (5) وظهرت العين الصحيحة من العين الرمداء، فما زاد على أن أراني تبسما، وقال: كل ما فعله الإنسان لوجه الله فلا يكن مستعظمًا، ومن تمام الكرم صيانة الضيف حتى يصل الحرم، فأستودعكم الكريم، الذي خيب فيكم اللئيم، فقلت له ما قدر الخفارة ؟ فقال ما مثلك لأفعال المخلصين بذي جارة أأقول لك إنني فعلت هذا لوجه الله الكريم، ثم تريد مني ما تريد يا لئيم، ثم لوى عنان فرسه، وقد وضع المهماز في شاكلته (6) إلى أن غاب عن بصر كل واحد منا وإن لم يغب عن باصرته، فقلت لأصحابي مثل أبي الغيداق، من يحمي الرفاق، ومثله من كنا نفتش عنه، ولكن كيف التمكن منه، فإن مثله أعز من بيض الأنوق، ومن الأبيض العقوق (7)
(1) صهصلق: غليظ عال
(2) الحزن ضد السهل من حزن وسهل بضم العين.
(3) اعتسف: خرج عن الطريق مختبطا، ومخرم الواديمنقطعه ، والشعب بالكسر معروف ، والوادي يجمع باودية ، وأوداء، ولا يوجد في القواميس (وديان) .
(4) شرق البدر: طلع.
(5) جداء بكسر الجيم وتشديد الدال ، في الأصل مكان عند (الطائف) مستو ، كالراحة ليس فيه م ا يستر يقال صرحت جداء بفتح الهمزة وذلك مثل يضرب في كل واضح بعد الالتباس .
(6) الشاكلة من الفرس: جلد خاصرته.
(7) الآنوق: الرخمة ولا تبيض إلا في محل ممتنع من الجبال ، والابيض العقوق والفرس الذكر الحامل ، وذلك محال ، قالطلب الابلق العقوق فلما لم يجده أراد بيض الآنوق .