فهرس الكتاب
فأصابه متيقظًا متشمرا *** ذا أهبة لم تلهه الآمال
وكان رضي الله عنه في مرض خفيف يمرض معه نفسه نحو شهر، وودع أهله عند احتضاره، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ، وخلف أولاده على أمور الدين وتدريس العلم، كل منهم بما يليق به، أبقاهم الله بدورا يستضاء بهم، ودفن في قبلة مسجدهم متصلا قبره بجدار المسجد (107/8)
(108/8) حيث يسمع الصلوات والأذكار، وفي عمره أزيد من ثمانين عاما، ولم أقف له على ميلاد، فخلف بعده من الهموم والأحزان ما لا يعلمه إلا الله، فقلت كما قال أبو فراس:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة *** أيا جارتي هل بات حالك حالي
أيا جارتي إن أنصف الدهر بيننا *** تعالي أقاسمك الهموم تعالي
ولنا في التأسف والرثاء لصاحب الترجمة ما نصه:
الرزء أعظم والرضا أولى بي *** والسقم أنحل والأسى أثوى بي
والجو أظلم والأراضي قد هوت *** أعلامها وخبا سطوع شهاب
وتراكمت سحب الأسى وتزاحمت *** كثب الهموم بفرقه الأحباب
آه على علماء قد فتكت بهم *** أيد المنايا ياأسى لمصاب
ما هد لي صبرا وأنهر مدمعي *** وأثار نار تولعي وتصابي
الأسرى جامع المناصب *** وسميدع يثوي سواد لبابي
حكمته في أضلعي ويلذ لي *** حكم الصبابة وهي ملء إهابي
بطشت به أيدي المنايا دون أن *** ترعى المزايا أو ترق لما بي
يبكي أبا العباس من في صدره *** لهب الفراق يذوب بالأوصاب
يبكيه من شرفائنا وعفاتنا *** من لا يئوب بغير ملء جراب
تبكيه كل مدارس ودروسها *** ودفاتر ومجالس الأصحاب
تبكيه كل فضيلة ومكانة *** وأئمة ضلت عن الأسباب
ذهبت معالجة القلوب فأين من *** يأوي إليه الهائم المتصابي
يا عين إنساني ونزهة مقلتي *** لا يخطئينكم رضا الوهاب
من ذا تخلفه علينا نقتفي *** آثاره إن راب لمع سراب
يا قبر فاعرف قدر من أودعته *** أدبا وإياك الجفا بصوابي
واحمده إذ تأتيك منه محامد *** فبه تباهى أصل كل تراب
يا نعم ضيف قد أتاك بحكمة *** وبكل عالية وحسن مناب