الصفحة 353 من 9223

إن حياة الشيخ منذ عام 1303ه إلى مختتم 1328ه كانت كلها على وتيرة واحدة لا تغير فيها, جولان في البلدان لا ينقطع, وإرشاد مستمر لكل من لاقاه من الخاصة والعامة, فيقتصر للعامة على ما يتوقفون عليه من التوحيد ومن تعليم الصلاة ومن تحري علم الحلال من الحرام, ومراقبة الله في كل أحوالهم, وأما الخاصة وهم أصحابه الذين أخذوا عنه واستسلموا بين يديه فإنه يؤاخذهم على قاعدة التربية الاصطلاحية بالشروط الصوفية التي توجد في رائية الشريشي والمباحث الأصلية, وعوارف المعارف والإحياء والحكم العطائية ورسالة القشيري وكتب الشعراني خصوصا العهود, زيادة على تعهدهم بتفسير القرآن وبالحديث النبوي, وينهاهم عن (المنن) للشعراني؛ لئلا يألفوا الاهتبال بأعمالهم الحسنة وعن (الذهب الإبريز) في أخبار سيدي عبد العزيز الدباغ, لئلا يتعلقوا بعالم الكشوفات واقتناص العلوم من الروحيات وعن (المدخل) لابن الحاج؛ لئلا يشغلوا أنفسهم بمحاسبة الناس, وهكذا كان قيوما على حفظ أصحابه مما عسى أن يغتروا به, فهو يريد منهم العبودية المحضة والمعرفة بالله, فيعطيهم من الأقوال بمقدار الملح, في الوقت الذي يدلهم على التوجه بالقلب وعلى عمل الجوارح فيعطيهم بها بمقدار الطعام, من غير أن يرهقهم بأعمال الطاعات والنوافل, وإنما يحرص على تنويعها لهم بحيث ينظم لهم عمل اليوم والليلة تنظيما سهلا لكنه معمور كله، وسترى تفصيل ذلك فيما ستقرؤه بعد، وترجمة الإنسان حقيقة فيما عليه أصحابه, فبذلك يعلم أن تربية الشيخ تتنوع بحسب الناس, فتربيته للخاصة من أصحابه, غير تربيته للعامة من غير أصحابه, فيعطي لكل ذي حق حقه فتيسر لكل الجهات التي يطرقها بسوس, ولكل الذين يطرقونه في زاويته الإلغية أن ينتفعوا به انتفاعا تاما, أدى به الواجب عليه نحو الأمة, ومن لا يعرف أمزجة المرضى فأنى يحصل التداوي على يديه, ومن جعل الناس سواء فليس لحمقه من دواءـ كما يقولون ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت