الصفحة 354 من 9223

259/1 عمله في سياحاته:

إن أكثر أيام الشيخ يمضيها في السياحات وكان من عادته التي اقتبسها من عادة شيخه سيدي سعيد بن همو المعدري أن يتتبع القرى مستعجلا فلا يكاد ببيت في قرية ليلتين إلا نادرا جدا, ومتى طلب منه أهل قرية أن يبيت عندهم أكثر من ليلة يجيبهم بأن الحق الذي عليه لكل الناس يحفزه إلى عدم التريث في مكان خاص, وكان دائما يسيح في طائفة المريدين المتجردين من أصحابه ويصلون غالبا مائة أو أزيد, سوى من يلتحق بهم من الفقراء وأصحاب القرى فإذا أقبلوا على قرية يدخلونها بذكر خاص يتداولونه فرقتين جهرة, وهو (الله الله الله لا إله إلا الله) (1) بغنة مؤثرة تستفز كل أهل القرية فيتلقون الشيخ وأصحابه ثم ينزلون في المسجد ولا يدخلون القرى غالبا إلا بعد العصر ثم يتوضئون ويصطفون ذاكرين إلى أن تصلى المغرب, ثم يقرأ الحزب فيسكتون سويعة يذكرون فيها أذكارا خاصة فرادى, ثم يفتتح مجلس الذكر قليلا ثم يتوجه الشيخ إلى التحديث الذي يراعى فيه العامة إن حضروا وإلا فحديث الخاصة, ثم إذا صلوا العشاء وتناولوا ما أتى به أهل القرية من العشاء توجه الشيخ إلى أهل القرية خاصة يعظهم ويذكرهم بلسانه أو بلسان وعاظ يحفظون قصائد الوعظ بالشلحة, وكثيرا ما يأمر أحد الوعاظ أن يطلع إلى سطح المسجد فيعلي صوته بالوعظ, فتسمعه النساء من سطوح الديار من القرية, ويتحين الشيخ ذلك في أيام الصيف, وكثيرا ما يمضي غالب الليل هكذا فيما ينفع المجموع نساء ورجالا, حتى إذا رأى النساء اللائي ألفن منه سماع الوعظ أقبلن إلى المسجد يأمرهن فيعتزلن

(1) كان المعتاد في الطوائف الناصرية أن تدخل القرى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, وقد كان معهودا لطوائف سيدي محمد بن يعقوب أن تقول: يا عظيم الجود يا مولانا بلغ المقصود يا مولانا, وليعلم أن لمطلق الناس أناشيد دينية عند مزاولة أعمالهم حصادا ودراسا وتذرية للمدروس؛ وعند تقديم الذبائح إلى مشاهد الصالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت