الصفحة 3540 من 9223

كانت له رحمه الله حالة حسنة من الحالات التي كان التاريخ يعرفها من رؤساء الطريقة الناصرية، فكانت له أوراد، وتحر في الأخذ والعطاء فما كان يتوصل من وراء النوازل إلا بمقدار، فبينما أقرانه لا يعرفون إلا المئات في كل نازلة، من التي تكثر فيها المشاغبات، إذا به هو لا يتجاوز عشرين إلى أربعين من الريالات، مع أنه لا يأخذ إلا عن تراض تام بينه وبين المحكوم له، إن كانت قضيته شرعية واضحة، فلذلك لم يسمع عنه من الشره ما يسمع عن أقرانه، ومن عادته أنه يتجنب الاصطدام وعلماء آخرين من الذين أولعوا بفض النوازل، فكثيرًا ما تأتي نازلة إلى يده، فيمد فيها أحد المشهورين من علماء (ولتيتة) أصبعه فينفض فيها يده، ويبقى على الحياد وكثيرا ما يقع له ذلك مع النوازلي الفقيه سيدي سعيد بن الطيب الأكماري وغيره، كما حدثت به، وهذه الحالة تلزمه أيضًا حتى في المجالس التي تجمعه مع أمثال هؤلاء العلماء، فإنه يلزم السكوت، ويسلم إدارة الحديث لهم، فقد سمعت أنه حضر مرة مجلسًا فيه طلبة كثيرون مع بعض العلماء ذوي الإقدام، فكان الطلبة يقرأون الهمزية والبردة، ثم يخللون بينها بفترات يتداولون فيها لا إله إلا الله، فقال لهم أحد العلماء: لا تصنعوا هكذا، فإنه لا يجوز جمع الأمداح النبوية مع الهيللة، فمال رجل كان جالسا إزاء الأستاذ المترجم، فسأله عن ذلك فقال: ما الذي حرمه ومنع من جوازه، قال له ذلك سرا، ثم سكت ولم يخاطب ذلك الفقيه بشيء، وكم بين أحوال ابن عمرو، هذه وبين أحوال أستاذه محمد بن العربي الأدوزي المتقدمة، وهو الذي نعرف منه ما نعرف من عدم السكوت عن مثلها.

وكان للأستاذ ابن عمرو ملازمة تامة لشيخ هذا، ولا يكاد يتخلف عن مجلسه، ولا السفر معه، وقد ذهب معه مرة إلى (فاس) في أواخر العقد الثاني، فزار جده عمرا هنالك، وهو الذي كتب عند عقد نكاح والدتي رسمها، ولا يزال محفوظًا عندي بخطه، وعبارته فيه ساذجة فلا (161/8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت