فهرس الكتاب
وقع الإجماع التام على أن الشيخ عمري زمانه, بذلك كان يعرف منذ أن تدرج بين أقرانه في عهد شيخه, ثم زاد فيه هذا الجد الغريب حين توجه بكليته إلى إرشاد العباد إلى الله واستنابتهم وزجهم في العبودية الخالصة وقد ذاعت أخباره بذلك في الحواضر, حتى إن بعض كبار علماء فاس كابن الخياط ونظرائه ممن ذاقوا من مذاقاته الصوفية يحكمون بأنه آخر رجال الجد في الطريقة, فقد بلغهم ما فيه من الحزم والعزم والإكباب الذي لا يمل فيما هو بصدده, فرزقه الله أصحابا كأنما خلقوا لهمته العليا, وصفهم الفقيه سيدي محمد بن علي التادلي دفين الجديدة بأنهم عفاريت سليمان, لا يضجرون ولا يكلون ولا يسأمون, ومن رآهم بين يديه رأى شبابا فولاذيا مخلصا نسي نفسه وأهله وكونه في الوجود, والشيخ يقلبهم بهمته كيف يشاء وهم مطاوعون طاعة عمياء مع عدم ادعاء أية مرتبة بأذكارهم وتضحياتهم وتعمقهم في الإنابة إلى الله أي إنابة, فبهؤلاء يخوض الشيخ قبائل سوس كلها في شهور كثيرة في السنة, وكثيرا ما تكون لهم سياحتان في الشتاء والصيف, وإن لم يكن معهم الشيخ يقومون هم وحدهم بدوره الذي يقوم به في الإرشاد والدلالة على الله, وقد كان سيدي سعيد التناني وسيدي الحسين بن مبارك المجاطي وأمثالهما من كبار أصحابه يحسنون تمثيل دور الشيخ في الهمة واستثارة القلوب إلى الله فيتركون القرى التي يخرجون منها كما كان الشيخ يتركها هياما بالله وجؤارا بذكر الله, وقد كان الفقهاء والمتفقهون ومقدمو الطرق الأخرى يرون هذا الهمة فيفترقون إزاءها فرقتين: فمن مسلم بأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, ومن قائل ما قال الثعلب:
رام عنقودا فلما *** أن رأى العنقود طاله
قال: هذا حامض لمـ *** ـا رأى أن لا يناله