فهرس الكتاب
بهذه الأخلاق ظهرت هذه الطريقة فقامت الناصرية وأهلها ضدها تعلن أن ذلك بدعة, ولكن نشاط أهل الطريقة الجديدة وحسن نية معتنقيها, وما كان عليه شيخها من روحانية قوية عجيبة, وما تؤثره في كل من إليها كل ذلك فتح الطريق أمام شيوعها, فكان الشيخ يسيح بأصحابه, ويدل الناس على الله في ضمن طريقته, وقد استطاع بعض من اعتنق هذه الطريقة, وقد حج ومر بمصر, أن يأتي من هناك من عند كبار العلماء بأن هذه الطريقة التي تحمل مثل هذه الأحوال تعرف كذلك في الشرق من قديم, وقد قرأت أنا بنفسي هذه الفتاوى التي أتى بها سيدي محمد بن إبراهيم التامانارتي لما حج عام 1293ه هكذا ابتدأت المعركة بين الطريقتين الناصرية والدرقاوية, الأولى تدل بمظاهرها السليمة, والثانية تدل بأسرار روحانيتها, ولا ننس ما كان قاله سيدي علي الجمل لمولاي العربي لما أخذ عنه وعلمه القدر المعلوم من لا إله إلا الله والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له:"إن هذه الأذكار أخذناها عن أهل الظاهر أهل تامكروت, وما ذكر السر وهو الله فقد أخذناه عن أهل المخفية"يعني سيدي العربي بن أحمد بن عبد الله الذي أخذ شيخه عن آل أبي المحاسن جدود الأسرة الفاسية المجيدة المنجبة اليوم للمفكرين والزعماء والوزراء والخطباء, وبذلك يعلم القارئ أن الدرقاويين يقولون أنهم لا يعتنون بالمظاهر في الطريقة على أية حالة كانت, فالسر فيما في القلوب لا ما في القوالب, ويقولون: إن هذه المظاهر لا تقدم ولا تؤخر الفقير إلا قليلا، ولكن المدار على ما في الثبات والقلوب، ويقولون ما قاله المتنبي في الفرس:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة *** وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها *** وأعضائها فالحسن عنك مغيب