التحق بمراكش في مفتتح القرن فجاور بالمدارس، فحسن أخذه، وشارك في العلوم، وقد وجد أمامه طبقة سعيد إيجيمي وأزونيض والسباعي ونظرائهم، و قد كانت له حافظة واعية، فاستتم علي أيديهم من المعارف ما كان أسسه إذ كان لا يزال بسوس ولكن وإن شارك في الفنون فإن له تميزا في النحويات والمحفوظت الأدبية والفرائض والعروض فبهذه تميز عن أقرانه.
ثم لما قضى وطره من الأخذ انتشب في التجارة فكان يستورد الكتب من الحمراء إلى مواسم سوس في العقد الثاني وقد وقعت له نادرة في ذلك حدثني أنه قصد مرة موسم تازاروالت فسأله بعضهم عما عنده من الكتب، فسرد عليه مما عنده، فسمع بعض الأغبياء منه أن عنده القرطاس فظن أنه ذخيرة البندقيات الرومية، ويسمى عند المغاربة (261/8)
(262/8) بالقرطاس، فنم بذلك إلى القائد سعيد الكلولي وهو إذ ذاك قائد عام على تيزنيت فأوعز بإلقاء القبض عليه بحجة أنه يذهب بالقرطاس إلى الولتيتيين الذين يحاربون الكيلولي إذ ذاك، قال: ولم يمكن لي أن يفهموا مني حتى جرضت بالريق، فقد تطلبت فقيها منهم هو الذي فهم ما أعني ثم بعد ذلك وقع نهب متاعه في بعض الطرق، فانكف بذلك عن التردد إلى سوس، ثم تزوج بالحمراء واشترى دارا في درب تيزكارين وانخرط في سلك العدول والمدرسين ، فكان يتردد كيفما تيسر، فحينا بدرس درسا عاما، وحينا يعلم بعض أولاد المثرين المراكشيين، ومن بين من كان يعلمهم إذ ذاك أناس هم اليوم أكابر القوم بالحمراء كسيدي محمد بن عثمان رئيس الكلية اليوسفية أتى إليه به أبوه فيلقنه في الدار بعد سيدي أحمد الأخصاصي، وكان كثيرا ما يدرس بين العشاءين في مسجد الحرة بحومة باب دكالة، فينتفع به العوام والمبتدئون طبقات متوالية وكان ذا إملاءات، في دروسه أحاديث وآيات وأقوال المفسرين، وأشعارا وحكايات، وما إلى ذلك مما افعوعمت به حافظته بلا نظام.