اشتهر بتدريس الألفية والمتون الصغار، والمرشد والرسالة والأربعين النورية والشمائل، والتحفة والزقاقية، وأمثال هذه، وكان ممتع المجالسة، سريع الاتصال بمن صاحبه، يألف ويؤلف، ويحترم ويحترم، مع نبذة التعالي جانبا، وولوعه بالنكتة، وقد يتجاوز بها إذا كان مع أصدقائه الخلص حدود الأدب المألوف، فتكون من ذي شيبة مثله عجبا عجابا.
أخذت عنه الخزرجية في العروض في مسجد تيزكارين، وكانت عنده كأصابع يده، وشواهدها كلها ماثلة بين عينيه ، يزخر بها متى كان يدرسها، ويستحضر مثلها مما يتعجب منه السامع، فقد نفعني الله بما أخذته عنه من العروض، فكنت وإن لم أتقنه كما ينبغي أدرك بشبه السجية، من بيت أسمعه ما فيه من انكسار، حتى إنني أعتمد على سجيتي في الموزون وغير الموزون، فأفرطت في ذلك ، حتى وقع لي مرة مع الأديب البونعماني سنة 1354هـ أننا ركبنا سحرا من فاس فصار يملي علي من قصيدة له جديدة، فنترنم بها، والسيارة السريعة تطوي بنا ذلك البسيط الأفيج ما بين فاس ومكناس، وقد ذهب بنا الطرب، ونسيم السحر كل مذهب فأنشد بيتا من قصيدة له، فقلت له: إن فيه إنكسارا في الوزن، فقال: ليس فيه شيء، بل هل سليم فلججت، فبعد حين انقطع مني اللجاج، إذ أدركت غلطي، فتبت لله من اعتمادي اعتمادا أعمى على سجيتي، وأذكر (262/8)
(263/8) أنه وقع لي مثل هذا مع شاعر الحمراء الأديب الكبير محمد بن إبراهيم رحمه الله فقد كنت أنشدت له في حدود 1340هـ هذا المطلع.
أيفي عني الذي يجب *** مقلة تهمي وقلب يجب
فقال إن في الشطر الأول لانكسارا، فقد سقط منه سبب خفيف، فلاججته في ذلك، فقال: هات ميزان عروض الشطر الثاني فاعلاتني فاعلاتن فاعلن، فتبين لي صدق ما يقول فأدمجنا في الشطر الأول لفظة قد فصار هكذا:
أيفي عني الذي قد يجب *** مقلة تهمي وقلب يجب
فسلم البيت عند العروضيين، وقد نكبنا عن ملاحظات البيانيين في هذا التأكيد بقد، وقلنا لعلنا نجد لهم جوابا يقتنعون به.