الصفحة 3674 من 9223

وقد كنا اقترحنا على شيخنا الرداني أن يفتتح لنا التحفة في الساعة العاشرة، فاعتذر بأنه في ذلك الوقت يمكث في دكان العدالة، ولا محيص له عن وجوده فيه تلك الساعة، لمكان النفقة التي طوق بها، فعذرناه.

وكانت له مكانة عالية عند آل حومة باب دكالة، فهو فقيه الحومة والمتبرك به فيها، والمتصدر يوم لزهتهم في الصدارة، وكان المعتاد أن تقام حفلة عامة لجميع طلبة الحومة في ربيع النبوي بعد اختتام المديح، فكان المترجم قطب رحاها، والمسند إليه زمامها، من كهولته إلى أن شاخ وعمي، وخانته ركبتاه، وقد جمل الله به تلك الحومة، ونفع به بنيها في الابتدائيات وما ورءاها، وكل طلبتها به تدرجوا.

كان بيني وبينه رحمه الله ألفة زائدة، أنتجتها السوسية التي جمعتنا جامعتها، فكنت إذا خلوت به أسمع منه ما لا يقدر أن يفوه به لأحد من مستغربات نادرة عن أناس من مراكش تضحك الثكلى، وإن أنس لا أنس آخر حفلة نبوية أقيمت قبل وفاته، في روض القائد محمد المزوضي فجلست إليه منفردين، وقد فقد بصره، فصار يسألني عن التلاميذ وملازمتهم، فصار يندد بمن لا يلازمون، وينقطعون عن الدراسة بغتة بعد ظهور نجابتهم، ثم علل ذلك تعليلا مضحكًا استرسلت بسببه في الضحك ما شاء الله، فكنت أحكي لأقراني العلماء ذلك التعليل، فنمعن في الضحك من غرابة أحوال هذا الشيخ الشاب ، الذي لا يزال يقطر فتوة، وإن بلغ به الكبر عتيا ، فأتذكر ما تحكيه عريب الشهيرة في أيام المأمون العباسي من أنها لاقت يوما في بادية الحجاز أعرابيا مسنا فاستنشدته فأنشدها:

يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا *** وقد يكون شباب غير فتيان (263/8)

فاستحسنت البيت فاستنشدته باقية الشعر ، فقال لها أنه يتيم، ثم غنت به مولاها فأجازها جائزة حسنة، إعجابا بهذا المعنى اللطيف ، ثم إن عربيا وسيدها أن أعجبا بهذا المعنى تخيلا، فإننا شاهدناه عيانا من سيدي اليزيد الرداني الأريحي الطروب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت