ورد شيخنا المترجم إلى مراكش في حدود 1340هـ فافترح عليه بعض الطلبة أن يقرأ معهم الزقاقية، فافتتحها معهم بعد العصر في المسجد اليوسفي، فألقى فيها دروسا عليا بلهجته الصحرواية اللذيذة، فلم نشعر به حتى رجع إلى قبيلته، فقيل لنا: إن القائد عبد المالك المتوكي قد استاء من ذلك وخاف أن تتسع له شهرة في (مراكش) لأنه يتخوف من السابعيين دائما، وخصوصا من ذوي الجراءة منهم كالمترجم، والقبيلة السباعية إذ ذاك تلاقي ما تلاقي من ضغطات المتوكي، ومغارمه الباهظة فهذا هو السبب على ما قيل لنا حتى استاء من هذه الدروس فلم يسع محمد عبد الله إلا الإقلاع، والرجوع إلى وطنه، فمن هنا يعتبر القراء ما يلقي عالم علت فوقه سلطة جاهل، فمن ذلك الحين لم أعد أرى المترجم ولا مررت بعد بدارهم بعد أن بت فيها قبل ليلة ملأناها مجاذبات علمية مع الأستاذ الصغير الهين اللين، ونحن في سطح دارهم، وقد ذبحوا لنا كبشا سمينا، وقربوا من أطعمة اليد واليدين، والكرم مما طبع عليه السباعيون الأباة، وأتذكر أن المترجم كان إذ ذاك أفادني أن الحق في البيت الشهير.
(فقل للذي يبقى خلاف الذي مضي *** تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد)
أن تكون هكذا يبقى لا يبغي، وخلاف بمعنى بعد، قال الله تعالى، خلاف رسول الله.
مرت سنوات كثيرة، فكنت مرة في دار شيخنا أبي شعيب الدكالي والعرس لأولاد الأستاذ سيدي عبد الرحمن وسيدي عبد العزيز قائم على ساق، والدار الفيحاء قد احتفلت بالواردين، وذلك الوقت طفل، كما أحسب، فلم أشعر حتى سمعت إنشاء قصيدة في ساحة الدار ، فيها تهنئة المعرسين مع شيخ الإسلام والدهما، بلهجة صحراوية على رنة لا يألفها (270/8)
(271/8) الحضريون، وقد احتشد الحاضرون يستمعون للمنشد، فإذا به هو المترجم نفسه ، ولم يمكن لي الاتصال به لكثرة الزحام في العرس، فذهب وذهبت من غير أن نتراءى.