في ليلة من جمادى الأولى 1355هـ استدعاني القاضي الأجل سيدي الحاج إدريس الورزازي إلى داره ، فدخلت القبة، فسلمت على بعض أضياف فيها، ولم أعرف منهم اثنين، فأجلسني رب الدار إزاء أحدهما في صدر المجلس، ولم أكن أعرف من هو ؟ فظلت أتحدث مع أحد الحاضرين، فبعد لأي قال لي: أولا تعرف هذا فاشار إلى ميامني ؟ فقلت له: لا ، فقال إنه الأستاذ محمد عبد الله السباعي ، فقلت: آه لقد والله طال الزمن حتى ذهبت عن عيني صورة وجهه، فقمت فسلمت عليه ثانيًا، فقال: وهل يحسب أنني تعاظمت عليه، واستنكفت أن أعترف بأنه أستاذي بعد أن صرت أنا الآخر في مقام الأستاذية فقال لذلك الإنسان الذي كان يحدثني أولا: إن فلانا قد نسي من كان يعرفهم قبل، فقلت له: حاشا يا سيدي، وإنما تطاول الزمان هو الذي أدى إلى هذا، فقال إن ذلك منك ، لأنك انقطعت عن زيارتنا ببلادنا بعد أن كنت تنتابنا ، يقول ذلك وهو يبتسم، فقلت له: إن هذا يا سيدي حقيقة، ولكنني ما طرقت بلادكم بعد إلا مرة واحدة، فمررت بمدرستكم فلم أصادف واحدا منكم، ولكن هذا بعينه يرد على سيدي حين كان يتردد مرارا إلى (الحمراء) وما شرفنا قط بزيارة، ولو كنت أعرف أنه بـ (الحمراء) قبل أن يرجع إلى بلده، لتشرفت أنا بزيارته في منزله، فكأنه توهم أنني لمزته بعدم التنازل، فقال إن الأولى بالتلميذ أن يفتش عن أستاذه، لا أن الأستاذ يفتش عن التلميذ، فرأيت أن الأولى قطع هذه السلسة، وقد أدركت أنه يحسبني من المتكبرين لما يسمعه عني مما منحنيه الله إذ ذاك في الحمراء، فقلت له حين كانت حجتكم أيها الأستاذ هي هذه، فإنني أقر بأنني المذنب، فهل يرضى سيدي بذلك ؟ وأنشدته:
وتمرضون فناتيكم نعودكم *** وتذنبون فناتيكم ونعتذر