فهرس الكتاب
267/1 رايات الطرق, كما يقبل ويدبر اليوم أبطال آخرون تحت رايات الأحزاب وكل يغمر بيئته, فإن كانت الطرق اليوم لا يراها الناس بمثل النظرة التي يراها بها من كانوا أمس, فكذلك سيقع لهذه الأحزاب نفسها غدا, والعاقل من المؤرخين هو الذي يزن كل واحد بميزان بيئته وحده, ثم لما تصدر الشيخ الإلغي المترجم بعد شيخه، وقد أوتي قوة روحانية وعلما واسعا وسعة أخلاق ومخالفة لكل الناس وحضور الأجوبة, دفع بالطريقة إلى الأمام حتى صارت أعلامها تخفق في كل نواحي سوس؛ لكونه يتتبع القرى ويجعل السياحات ديدنه وقد توجه إلى منفعة العامة, وإلى منفعة الخاصة, وإلى مخالطة العلماء, وإلى طروق الرؤساء, ولكون كلامه المؤثر الذي يكتسي لونا خاصا مع كل هذه الفرق التي يتكون منها الشعب, فتح له ميادين متعددة في نفع العباد, فمتى جلس إلى مطلق العامة فإنه لا يحدثهم إلا في التوحيد والحلال والحرام والتوبة وإصلاح ذات البين, وإقامة شعائر الدين ولا يتجاوز ذلك في مجامعهم إلى ذكر التصوف, ومتى جالس الفقهاء والطلبة يتلون بلون آخر يستمده من العلم مع دعوته إلى الله وإلى التوبة وإلى عدم الغرور بالهذر العلمي, مع كثرة تعظيمه للعلم وأهله وإجلال مقامهم ما دام في حدود النزاهة، ومتى جلس إلى الرؤساء يعظهم وعظا يكسر شرة ما هم فيه من العنجهية والطغيان والإدلال بالسلطة ونفوذ الكلمة, وكل ذلك بتأن وتؤدة, مع تسهيل طرق الإنابة وفتح باب القرب إلى الله أمامهم حتى يدركوا أن ما هم فيه إن أحسنوا معاملة رعاياهم ميدان من ميادين العمل الصالح, وأما إذا كان مع أصحابه وهم الخاصة عنده فإنه يخوض معهم في كل ما يرقيهم في مقامات الصوفية الكبار, ويهذب أخلاقهم ويفنيهم في ربهم, كما هو المعهود بين الأشياخ ومريديهم, هذا حال الشيخ, فاتسع نطاق شهرته وذاع له صيت يدوي في كل الجنوب, وإزاء هذه الشهرة انفرد في عصره بما لم يتيسر لغيره فنشأ إزاء أتباعه الذين تزخر بهم الطرق إلى