وقد كان تاموري إعادة المزارة لتلك الديار، فمنعني ما في (الحمراء) من الحر الذي يزري بصكة عمى، ويذهل غيلان عن مي، بل يذيب دماغ الضب، ويقدح النار بين الجلد العصب، ولست أدري أيها الأخ هل لي حق عليك في الزيارة تؤديه، ودين ود أقتضيه، على أن المؤمن يعمل في أداء الحقوق جهده وباعه، ويبذل في أدائها مده وصاعه، وعلى محبتكم، وخالص أخوتكم، والسلام، في البدء والختام، حرر في 3 جمادى الثانية 1355هـ، عبد الله بن عبد المعطي الحسني الإدريسي السباعي وفق لأحسن المساعي.
فبقيت رسالته بجيبي يومين، وفي 29 من الشهر نفسه أجبته بهذه العجالة التي سمح بها اليراع في سويعة ، وذلك هو العذر، حتى مسحت من نفس الشعر العالي، وأتذكر أنني قلت إذ ذاك للأديب أحمد شوقي، إن مثل هذا الشعر الإخائي المسف مما أتحدى به كل أديب شاب، فهم يعلمون كيف يحلقون، ولكنهم لا يتعلمون كيف يسفون، أقول له ذلك وأنا أداعب، والقصيدة:
أتت فأتى الإعجاز من كل جانب *** رسالة عبد الله أبرع كاتب
أتت بعدما قد كنت في حندس النوى *** فأشرقت الأنوار من كل جانب
فهل أنت ذا عبد الحميد أو انت من *** عرفنها خريتا بكل السباسب
تفجرت ينبوعا كما امتد زاخر *** يطم على كل الربا والمذاهب
بشعر ونثر مثل ما استبقت إلى *** مدى حلبات من عتاق سلاهب (275/8)
أذياك خط فوق رق أم انه *** غوان تهادى فوق بسط الملاعب
وتياك نونات أم الغيد أقبلت *** فماطت قناعا عن قسي الحواجب
وهذا بيان أم رحيق تديره *** بمرقمك النفاث طي المكاتب
معان وألفاظ تفوق مداركا *** قريحة حسان وفكر ابن غالب (1)
وثبت لها يا ابن السباعي وثبة *** هزبرية ما أن أتيحت لواثب
فنلت باها والدهر يشهد رتبة *** تفوق بحمد الله كل المراتب
ولو كنت في الآداب برزت وحدها *** لما قيل قد أديت أعظم واجب
ولكنك البحر الخضم معارفا *** تصيخ لها آذان كل المغارب
(1) 1 ) همام بن غالب: الفرزدق .