وإن هو لم ينبس طوى صدره على *** فؤاد بما يلقى من الناس ذائب
فوارحمتا للعالم اضطر عمره *** على أن يواتي كل غمر مراقب
بهذه المنظومة أجبت الأستاذ، وقد أنشدتها بين شباب بارعين في الأدب الجديد الحي فقال أحدهم: إننا لنعجب منك كيف تصبر بعد حتى تقول مثل هذا، بعد أن رأينا لك ما رأينا، فقلت لهم: وإنما العجب ممن لا يقدر أن يتطور بمقتضيات الأحوال ، وهذا الموقف لا يصلح له إلا مثل هذا الأسلوب ، وله أيضًا روعته، وإن كانت عنكم يا من لا يعرفون إلا الشوقيات والحافظيات والزهاويات والرصافيات بعيدة بعد السماء من الأرض، فيكفينا شرفا أننا نتذوق معكم أدبكم الجديد، على حين أننا نفوتكم بأدبنا القديم، داعبتهم بما قلت وإلا فالحق حق، وكان ذلك في عشية يوم فوق سطح الزاوية في جلسة لا أزال أتمثلها إلى الآن، وإنا في منفاي بألغ.
ثم لما توصل الأستاذ بالقصيدة أجابني بما نصه:
أيا حبنا المختار نلت المعاليا *** وفي حلبة السباق دمت مجليًا
أتتنا عقود من جمان نظمتها *** فيا حسن أشعار بهرن عيونيا
ولا عيب فيها غير أن الذي يرى *** يرى روضها بأنصع الزهر مزهيًا
أهذي قواف أم عروب تبرجت *** بنحر غدا من جنسه متحليًا
سلونا بهذا الشعر عن كل خائن *** مريب فأضحى من لدينا مسليا
غدا راحة الأرواح وهو غذاؤها *** فإن يعر من ضعف يكون مقويًا
هنيئا أيا مختار حزت فصاحة *** وحظي فيها أن أكون مهنئا
إني أشكر شعركم الباهر، ونثركم الزاهر، فحركني ما نمقته يراعتكم ودبجته براعتكم، إلى هذه الأبيات القليلة، فمن لي بمثل فصاحتك العريضة الطويلة، فلا عدمناكم وزادنا الله من أمثالكم، ولا قطع أملنا من ملاقاتكم، والتلذذ بمشافهتكم، وجمعنا معكم جمع سلامة لا تكسير، بجاه النبي البشير ، كتبت لكم هذا عن استعجال، وشغل بال، وعلى محبتكم وأخوتكم والسلام في البدء والختام، عبد الله السباعي.