فهرس الكتاب
إن من يتأمل كيف تقلب المترجم إبان أخذه، كما نراه، مع معرفته بيئة ذلك العصر التي تميل إلى إفراد الأخذ في مكان واحد، عن أستاذ واحد واستنكاف أن يأخذ من مدارس متعددة عن أساتذة متعددين، يدرك مقدار همة صاحبنا العليا، ويقدر قدر ذلك الطموح الغريب من أيتام أمثاله، فقد أكب غاية الإكباب على المعارف، وصابر أتم المصابرة، حتى رجع أبجر الحقائب وقد تتبع أفذاذ عصره من العلماء في تلك الجهة، وأخذ عن كل ما يتقنه وذلك لعمري هو الطريق اللاحب إلى النجاح، والاهتداء إلى الطلبة من أقوم سبيل، ولا يزال من يقصر الأخذ عن واحد، وإن كان ما كان، يقصر في نواح في المعارف التي أخذها عنه شاء أو أبى، والعلم على الحقيقة: هو أن يأخد الإنسان من كل شيء أحسنه، وأن يأخذ عن كل ما أتقنه:
فالنحل لما رعت من كل نابتة *** أبدت لنا الجوهرين الشمع والعسلا
فالإلغيون ومن إليهم كالأستاذ العربي الساموكني، والأستاذ المكي اليزيدي، والأستاذ بن الحاج الإفراني للعربية، للأدب والتاريخ، والمشاركة في علوم أخرى، كالفقه، والحديث والتفسير، والأستاذ الصوابي للفقه المحض المنتخل مع رقة القلب وحب العبادة، والأستاذ بيبيس للتضلع في الفقه، لأنه من حفاظ ( المختصر ) القيمين عليه، وللكروع في مثل ما ألف ( المنهج ) في علمه 171/9
172/9 والأستاذ العلامة الكبيرأبو العباس الجشتيمي، لكل العلوم التي شارك فيها ولكنه لما أسن، ودخل شهره في الواوات ( ((1) ) يجعل مكان التبرك، وللعلو في السند والمشيخة، فمن هذه البحار ارتوى العلامة صاحب الترجمة، فكيف لا يكون كما نراه في كل فن درسه كأنه علم في رأسه نار.
(1) تقول: واحد وعشرون إلى تسع وعشرين، فذلك كناية عن قرب الاختتام: وهذا مثل قديم .