فهرس الكتاب
ثم لما استتم التحصيل، وأحس بما عليه من المسؤولية تقلب بين عشية وضحاها، فظهر بمظهر لا يليق بعلماء هذه البيئة سواه، فاكتسى التؤدة والوقار، وسكون الطائر، يتكلف في غير مجلس أودائه الأخصاء عبوسًا ووجومًا، ويتظاهر بين غيرهم من الطلبة بما كان معروفا من الفقهاء المتجهمين الذين كان التزمت سجيتهم الدائمة، هذا هو مظهره بين طبقات الناس، وأما العامة فيرفع همته عليهم كما ينبغي، وهل يليق من العلماء الكبار أمثاله نحو الرعاع إلا ذلك، وأما تلامذته، فإنه وإن كان يظهر لهم بذلك، فإنه يخفض لهم الجناح، يرأف بهم ويحنو عليهم، حدبا كلام الرؤوم، لكنه لا يكاد يخلو بمثل الأديب البوزاكارني والأديب ابن الطاهر الإفراني، 178/9
179/9 والبعقري البونعماني، ونظرائهم حتى يستحيل إلى إنسان آخر، إن خلا المجلس من الرقباء الثقلاء، أقدار المجالس، وأقذاء العيون، فيطفح أريحية، ويزخر فكاهة، ويطير مع جليسه إلى أوج تذوب فيه القلوب، وتتاطير فيه النفوس مرحًا.
ذلك هو الأستاذ أبو العباس اليزيدي، وتلك شنشنته يكون ساكن التامة مع أصحاب الأذكار في الوراد، ويقعد كالجبل الراسخ أمام العامة، ويحنو بتواضع على الطلبة، حتى إذا أتيح له أحد أودائه كان كما قال ابن مكانس:
في انقباض وحشمة فإذا *** صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها *** وقلت ما قلت غير محتشم
وله في ناحية أخرى عزوف كبير عن ذات الأيدي، فيمر على الأغنياء كأنه أغنى منهم، وأحفل جيبًا، وأوسع ثروة، بل ينزلهم عنده كذلك في الضيافات، ويثيبهم بما هو أغلى وأنفس:
وليس بأوسعهم في الغنى *** ولكن معروفه أوسع