فهرس الكتاب
وقد عرفت منه أنه كان في رحلاته إلى المدن، يتنكب تجار بلده، كيلا يظنوا به الظنون، وسترى أمامك رسالة إلى بعض أودائه صرح فيها بذلك، كما أن في أخلاقه من ناحية أخرى صلابة لمن يراه بهم أن يسومه بإساءة - حتى من أشياخه كما رأيت - إما في ماله، وإما في عرضه، فيدافع بكل ما في وسعه دونهما ( ومن قتل دون ماله فهو شهيد ) وله في ذلك مواقف معروفة، ومن استغضب ولم يغضب فهو حمار:
من يسمع الجفوة من خل ولم *** يغضب لها فإنه كمن جفا
كان مرهف الإحساس، ذكي الفؤاد، رقيق الشعور، لا تتمشى عليه الحيل، فهو من اللهبيين الذين لا تلغى مقالاتهم إذا الطيور تمر بهم ((1) ). يفهم بإيماء خفيف، ويكاد يدرك هواجس الظنون، ودبيب الخوالج في النفوس، شأن الألمعي الذي يظن فيكون ظنه محققًا، كأنه رأى مكتوب القدر، وسمع صرير الأقلام على اللوح المحفوظ، وبهذه الألمعية تأتت له تلك الفهوم التي حصل بها في المعارف على المدى.
وصف موجز لما أدركته غاية الإدراك من المترجم ( وما قلت إلا بالذي علمت سعد ) :
من يمدح الزهر لا تكذبه نضرته *** ولا أريج إذا مر النسيم به 179/9
180/9 بينه وبين إخوانه الأدباء
وقفت له على مخاطبات أدبية تناثرها مع الأديب سيدي داود الرسموكي ومع الأديب شيخنا أبي عبد الله سيدي محمد بن الطاهر، ومع الأديب سيدي محمد بن الحاج الحافظ الحامدي، ومع أبي زيد البوزاكارني، الباقعة بين أدباء عصره، فضلًا عما رفعه إلى أساتذته الشيخ سيدي العربي الساموكني، والإمام أبي الحسن الإلغي، وشيخ الجماعة أبي محمد شيخنا سيدي الطاهر، والأستاذ أبي القاسم التاجارمونتي، وقد حضر عندي الآن بعض ما جرى بينهم، فلنذكر مما عندنا ما عسى أن تقبله الأذواق، وإن كان لا يقول ما ينافي كل الاذواق.
مع الأديب الحامدي
من خط صاحب الترجمة:
(1) قال:
خير بنو لهب فلا تلك ملغيا *** مقالة لهبي إذا الطير مرت .