فهرس الكتاب
اختار أكثرنا العودة إلى بلادهم، واخترت أنا البقاء بفاس، وفكرت في أن أفضل وسيلة اهدئ بها أعصابي: هي الاشتغال بأعمال جسمانية لا تقتضي تفكيرًا فاشتغلت في متجر بعض الأصدقاء بالتجارة، كما أشتغل في بعض الساعات بتعلم سوق السيارة، فتسليت قليلًا، وفي الشهر الأخير من العطلة سافرت إلى الدار البيضاء، ولم أفكر في أن الامتحان سيقع في أكتوبر، بل أيست منه، حتى متابعة القراءة فإني أشك فيها، نظرًا لجو السياسة المكفهر، لذا كانت دهشتي شديدة لما اطلعت بواسطة الصحف أن الامتحان سيقع في أكتوبر، فترددت، غير أنني في الأخير عزمت على الإقدام، فكان التوفيق حليفي ولله الحمد.
غادرت فاسا نهائيًا في وسط شهر نوفمبر 1954 م واستقررت بالبيضاء فكنت أتأمل في المهن التي توافقني، فوجدتني أميل إلى التعليم، فكتبت إلى بعض المدارس الحرة لأتابع فيها، ريثما يتأتى لي صدق الحلم الذي طالما كان يداعبني في أيام دراستي، ألا وهو القيام بمدرسة أشرف عليها بنفسي، لكنني لم أتلق جوابًا من المدارس التي كتبت إليها، فصممت العزم على البحث على بناية أجعلها مدرسة وكنت قد اتفقت مع السيد الحاج عابد على ذلك وقد وعدني بمد يد المساعدة من حيث المادة، فتشجعت وصرت أبحث بنفسي عن البناية إلى أن عثرت على المنزل الذي كان يقيم فيه المجاهد الكبير العلامة: محمد المختار السوسي، فاستبشرت خيرًا وتفاءلت كثيرًا بهذا المنزل.