فهرس الكتاب
كان الأديب أحمد اليزيدي ابن أبيه في همته وعزوفه. بل تفوق على والده في نواح من العلوم. تيسر له منها ما لم يتيسر لوالده. غير أن والده جاء وصروف الدهر لا تزال في غفواتها. وكوارث البؤس لم تزل تفضى عن العلم وأهله. فبدا منه ما بدا. فأثر تأثيرًا عظيمًا ظاهرًا. بخلاف ولده فإنه جاء والهمم تثني قوادمها وخوافيها. وتعرى عن التحصيل أفراسها ورواحلها وتلقي دون الغاية عصاها، فكانت أعماله على عظمتها مغموطة، وإن كانت تستحق أن تكون مغبوطة. وناهيك بعمل قد يصل النهار بالليل. لم يجرفه السيل، ولا لوى رأسه تحت طي الجناح. فيكون بكؤوس الكسل في اغتباق واصطباح. فلم يزل يواظب على بث العلم بهمة عجيبة بلا أناه، جاعلا ذلك مهمته الوحيدة في هذه الحياة. وله اليوم سن الشيوخ الرقاق العظم والإهاب. ولكنه في همة اليافعين وعزم الشباب.
أما أدبه فروض أريض. يشفي بالنظر إليه المريض. وغصن مثمر لكل من يبصر. وراح معتقة، ومصفاة مروقة، وهو في نفسيته الأدبية المرحة الطروب لا يعرف أدنى قطوب، فلا أعلى منه حينما يصوغ القوافي، بفكره المرهف الصافي. وهو وابن الطاهر، والبوزاكارني. وداود، ومحمد الحامدي، والكوسالي، أفراس تلك الحلبة السابقة، ما من واحد منهم إلا من الطليعة لا في الساقة، إذا شعروا بهروا، أو نثروا سحروا، ولو كانت لصاحبنا بيئة أوسع مما هي. لكان لأدبه الرائع، وكلامه الساطع. ويراعه العجيب، ونظره المصيب، شأن أعلى وأعظم، إذا سجع أو نظم، ولكن الجل ابن بيئته، ففيها يخلق على فطرته. يقول كما يقول بنو بلده. وأهل سيده ولبده، ويؤتي لي أن له تفوقًا كبيرًا على كثيرين من أترابه المقدمين فقصائده المزججة. ورسائله المدبجة. تعلن ذلك لقارئيه. إعلانا لا ريب فيه. وفي المجال. تظهر آثار الرجال. ويظهر الضليع من الظالم ((1) ) والضائع من الرائع. 230/9
231/9 قولة ابن الحبيب فيه
(1) الضليع. الشديد القوي. والظالع: الضعيف الخائر القوى. .