فهرس الكتاب
تلقبت به الأحوال منذ فارق المدارس، وقد ابتدأ منه الاختلال، فكان يختلف كثيرًا إلى الرؤساء، فيتكلم بالحكم والأمثال والنوادر، فيتخذه الجهال منهم ضحكة، فلا يكاد يحضر في مجلس إلا أضحك من فيه، وكان يسافر كثيرًا إلى المدن، ولا يكاد يركب، وإنما يمشي على رجليه، ويلم بأبناء عمومته في ( القنيطرة ) ويكرمونه، ويحافظ على ما دخل يديه، ويوكئ عليه، وهو محبوب إلى التجار السوسيين، وقد يغلب على تمييزه فيخرج إلى الزقاق، فيسب الأجانب، وقد عرفوه، فلا يهيجه رجال الشرطة، وقد بقي مرة هناك عامين، ثم رجع إلى سوس راجلًا، وقد أبى أن يركب على السيارة، فبقي على هذه الحالة نحو خمس وعشرين سنة إلى أن أدته خاتمة المطاف إلى الأستاذ محمد بن محمد بن عابد الصغير وهو إذ ذاك في مدرسة ( إيموساكا ) في شعبان 1371 هـ قال فقلت له: إنك ستصوم معنا، لأن من عادته أن لا يصوم ولا يصلي، ومن لامه قال له إنني مريض بعذور، قال: ثم بات عندي أناس فجلس منتبذًا عنهم بعدما دخل وسلم سلامًا رنانًا، فقلت له: اقترب إلينا يا سيدي محمد، فقال: إن السلامة في الانتباذ، ثم لما شرب من الكأس، رماها متدحرجة على الفراش نحو الصينية، فالتفت إليه الحاضرون مشدوهين، فقال لهم إنما أهنت فرنسا التي صنعت هذه الكأس لا مجلسكم الموقر، ثم قال له أحد الحاضرين تعجيزًا بعدما أعلمته أنه فقيه فهم لقن مستحضر، إننا جئنا على بغلة مترادفين، فسمعنا صوتًا ينتقض به الوضوء ولا ندري أمنا أم من البغلة، فقال له: حين لم تعرفوا، فكلكم بغال: فضحك الحاضرون، ثم لما بيّتنا على الصيام بكر مسافرًا من عندنا من غير وداع على عادته إلى مدرسة ( إيكيسل ) ، وفيها الأستاذ سيدي محمد بن عبد السلام الكادورتي، فبقي عنده يومين بلا صيام، فكأنه عاتبه، فغادره أيضًا، فكان آخر العهد به ولا يدرى 235/9