الصفحة 4128 من 9223

فلم تبق مدينة من مدن المغرب إلا أطل عليها، ولا حضرة كريم من كرماء جنوب هذا القطر إلا وقف أمامه معرضا أو مصرحا، ولكن الدهر الذي جبل على معاكسة الأدباء، لا يزال أمامه في تنغيص كل شرب، حتى ليرضى من الغنيمة بالإياب، فأدته خاتمة المطاف إلى ناحية (تارودانت) ، فكاد السعد يجيبه لطلبته، لو تقدمت أيامه، حتى يوافق هناك محمد العالم العلوي (1) فيكون خامس الرسموكي، والسكتاني، والزدوتي، والأيلالني، فيبدئ بدوره ويعيد في وصف مجالس الأنس، وخيل الحلبة ويصب بدوره جاما طافحا على إخوة كافور (2) ، ولكن ماذا يصنع وقد تأخرت أيامه حتى لا يسكن إزاء (تارودانت) إلا من لا يعرفون للأدب قيمة، إن فرط منهم أن ناولوا الأديب لقمة تابعوها بما يتبع به الكز (3) لقمته، من منة مكدرة، والممات للأديب الحي كصاحبنا الأفراني، أحلى من الحياة معها، فذلك ما كان، فقد أسلم الروح وهو أرجى ما كان للأدب وأهله، فذهب مبكيا على ذلك اللسان المرهف، وتلك القريحة السالة، تندبه الأقلام، وتتلهف عليه الآداب.

قولة الأيكراري فيه:

ومنهم الأديب الفقيه النجيب العالم الرباني الجوال الصمداني، من لا يستقر بكمان، تلقاه أينما كنت وكان ـ:

يوما بحزوى ويوما بالعذيب ويو *** ما برادته حيث

سيدي محمد ابن الحاج من (تانكرت) الأفراني، قرأ، رحمه الله، على فقهاء (إلغ) ، وعلى العلامة سيدي أحمد بن عبد الرحمن الجشتيمي، وبه تمم، وعنده يعتبر، وأنشدني من فيه، وعلمه مخزون فيه:

العلم يمنع نفسه أن يمنعا *** فاعمل به تنل المقام الأرفعا

واجعله عند المستحق كرامة *** فهو الذي من حقه أن يودعا

والمستحق هو الذي إن حازه *** يعمل به وإذا تلقنه وعى

(1) ابن المولى إسماعيل الذي له أخبار في الأدب يوم كان في (تارودانت) .

(2) كما ترى ذلك في أخبار محمد بن أحمد الرسموكي في (القسم الخامس) إن شاء الله في ترجمة الأديب سيدي داود التاغاتيني.

(3) الكز: البخيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت