فهرس الكتاب
فصار يعوم في بحر محيط الطويل والكامل والبسيط، فتشهد فيه الكون تجلي الصفات مقابلة بصفاته، وتجلي الأفعال مقابلة بأفعاله، وتجلي الذات مقابلة بذواته، لأن من تحقق بوصفه الذي هو الذل والعبودية، يمده بوصفه من العز وأوصاف الربوبية، قال: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا) الآية فإذا من عليه يكون سمعه الذي يسمع به، الحديث القدسي، (تلك الدار الآخرة) والآية، وهذا الوصف الذي هو العبودية لله، تعالى، هو الذي أسكنه منازل الأبرار، وأفاض عليه ديم الأسرار والأنوار (إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا) أعني بهذا السيد المبجل، المعظم المكرم المفضل. الذي رسخت محبته في قلب من لا يعرفه، وأحرى من عرفه أو سمعه. أبا عبد الله المدني الناصري، الذي هو العلم المنيف في الدين والخير. لما جبل عليه من خدمة المولى الكريم حتى عظم نفسه، وحقر فلسه، وجلب أنسه،
نفس عصام سودت عصاما *** وعلمته الكر والإقداما
أبا عبد الله سيدي محمد المدني الناصري، نصره الله على جميع أعدائه حسا ومعنى، سفرا ومغنى. سلام الله ورحمته وبركاته. وبعد، فزادكم الله العناية وأبعدكم من الجناية، وأتاح لكم من كل شر الوقاية، ووقاكم من أهل الضلال والغواية، وسبب إرعاف الأقلام، التي هى عوض عن الأقدام، لما جبن مثلنا عن الإقدام، تعزيتكم في عمكم الأغر، وصنوكم الأبر، الذي صار إلى رحمة ربه، وقبيل المصطفى وركبه، سيدي محمد بن أبي بكر، عظم الله أجرنا وأجركم في مصيبة. فاصبروا واحتسبوا (كل من عليها فان) ، ولا بد من يوم ترد الودائع، فإن الموت هو الذي زين الدنيا وصوبها، فلو خلقت الدنيا بلا موت وكنا فيها على الدوام، لرأينا التعب والنصب، ولكن لما خلقها الله وقارنها بالموت والفوت والعدم لا بأس علينا، وهذا خلاف ما فهمته العامة من قولهم: الدنيا لا فائدة فيها لما آلت للفناء، وذلك لقلة عقلهم وفهمهم، وعمى بصيرتهم، ونحن نقول بخلاف قولهم؛ لأن العاقل لا يرضى بالدنيء