الصفحة 4211 من 9223

في ذهنه، يصليه سعيرا، ولسانه تثريبا وتأنيبا وعذلا لافحا، ولا ريب أن ملاك الأمور في الحياة لا يكون إلا بشيئين: مخالفة الناس ومداراتهم، والإغضاء عما يبدو منهم من المساوئ، ومن الطبيعي أن يتطلع المرء إلى أن يكون له في هذه الدنيا ما يكتسب به رونقا في الأعين وإكبارا في القلوب، وحين كان المولى عبد الرحمن لا يعرف المداراة، ولا كان له تطلع إلى مركز من المراكز التي تجعل للإنسان طفاوة تلفت إليه العيون، وتقلب إليه الوجوه، ولا رونق يوجه إليه الآمال، ليس بعجيب أن يفلت من يديه ما يستمتع به أمثاله بل حتى من كانوا دونه من العلماء والأدباء، ممن يتقلبون بين أهل ومال، وجاه وأتباع، وشهرة مدوية، وسمعة معطرة، وغالب الناس، بل كلهم إلا قليلين، لا يكادون يذكرون، إنما تستمد عقولهم من عيونهم وأبصارهم، فلا يحنون الهامات، ولا يرفعون الاحترامات، إلا لمن يرون له شارة بأهل ومال، ويسمعون عنه طنينا بين ألسنة المتحدثين، وإذ لم يكن للمولى عبد الرحمن لا أهل ولا مال، ولا عرف له أتباع من العوام، ولا كانت له جولات كالتي تعهد من أمثاله، وتنتظر من نظرائه، بل حين لم يوفق إلى الاستقرار بين أهل، وهو ما يوفق إليه كل إنسان، صرت تسمع من عارفيه لوما وعتابا في جانبه، ورأيت من العامة نحوه تجاهلا كثيرا حتى لا يكادون يصدقون من يخبرهم عنه بتفوق في العلم، وسمو في الفهم، وشفوف على الأقران في كل الميادين.

ذلك هو تأثير ذلك الجانب من الأخلاق، في حياة شيخنا مولاي عبد الرحمان، حفظه الله، فإنه الآن يناهز السبعين، أو يقاربها بقليل، وهو عزب خاوي الوفضة، لا قرار له، ولا يأوي إلى معلوم، ولا يملك راحلة إلا حذاءه، ولا صاحب إلا من تبرعوا لإجلاله لوجه الله الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت