فهرس الكتاب
إن هذا الذي ينقص أستاذنا الكبير هذا يسمى عند علماء الأخلاق: الخلق الاجتماعي، ويسميه بعض الأدباء المنكتين: النفاق الاجتماعي، وهو على رغم تعبير هؤلاء الأدباء المنكتين ـ أساس الحياة، والطريق الوحيد إلى الانخراط بين أفراد المجتمع الحيوي المتموج في هذه الدار، فمن حرمه ولم يرزق منه ذرة، فإنه يحرم كل شيء، ولا يكون له من احترام المجتمع ولو ذرة، وما أولاه بأن ينخرط بين الصوفية الذين طلقوا هذه الحياة وكل ما فيها، ولو كان صاحبنا من هؤلاء الصوفية المطرقين المنزوين الذين لا يهمهم شيء، لما كان هناك من يؤاخذه على شيء، لأن لذلك، أيضا، قيمته في هذه الحياة، حتى عند العامة، لكنه ـ والحق يقال ـ مع حرمانه من هذا الخلق الاجتماعي، مؤانس لمن يوافقه طبعه، وأديب مفكاه ممراح مفراح، يكاد يطير على أجنحة الأريحية، إن جالس من يتفتح له صدره، ولا تثقل عليه مجالسته، وقليل ما هم، بل يشعر إن غمره ذلك بسعادة يتمنى لو أفاض منها إلى كل ناحية، وما كان أجدر صاحب هذه المكانة في الأدب بسور سميك من ذلك الخلق الاجتماعي ليمكن له أن يتقلب كما ينبغي مع المتقلبين في هذا الوجود، لكن ذلك خلق جبل عليه لا يستحق عند المنصفين لوما عليه:
"إن التخلق يأتي دونه الخلق".