فهرس الكتاب
أما ما عدا هذا الخلق الاجتماعي وحده من بين طباع صاحبنا، فهو على أتو (1) سديد، وطريقة مستقيمة دينا وعلو همة وإقبالا على شأنه، لا يزاحم على المال، ولا على الجاه، ولا على المناصب، فمن عرف كيف يتقي منه تلك النزوة التي يستثيرها منه عدم ذلك الخلق الاجتماعي فإنه يجد منه نطفة صافية وسريرة طاهرة وودا متينا وإخلاصا عجيبا، وكل ما يمت إلى المعاشرة العليا فإنه أشكر الناس لمحسن، وأغير الإخوان على كل صاحب يجلس أمامه، ثم كان، وراء ذلك، أزهد الناس في الذي يتناطح عليه الأغبياء؛ فلا يحسد ولا ينفس، ولا يبتدئ بعدوان، ولا تمتد عينه إلى ملك الغير، ولا يتعرض لنيله تصريحا أو تلويحا مع دين مقام الفرض والنفل، ومثابرة على أذكار وأوراد من حزب القرآن وغيره، وسور خاصة كل ليلة كالواقعة ويس، والصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد صلاة العصر يوم الجمعة، ويتحين كل ما ورد فيه شيء من الأجر وفي عمله ثواب. وأما القناعة بما تيسر فإنه قطبها، وهي التي استولت عليه غاية الاستيلاء، وأفرطت فيه إفراطا كثيرا حتى نفض يده مما لا يمكن أن يحفظ العرض والدين والحياة إلا به من التكسب والخير كله في الأمور، إنما هو في الأوساط لا إفراط ولا تفريط:
"وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا"
"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"
ما دمت حيا فدار الناس كلهم *** فإنما أنت في دار المداراة
من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى *** عما قليل نديما للندامات
فإن في التكسب من صيانة العرض والمروءة كنزا عظيما، وما عاش الإنسان بأفضل من عمله بيده.
(1) الأتو بفتح وسكون: الاستقامة والطريقة.