الصفحة 4214 من 9223

أقول قولتي هذه في أستاذي كمؤرخ، وأعلن أن في أخلاقي أنا، أيضا، بعض ما ذكرته عن أستاذي، فيا أيها الناس، اعذرونا على ما جبلنا عليه، فإننا لو كنا على خيار في أخلاقنا لكنا لكم كما تريدون ونريد، وليس الأمر إلا إلى الأقدار لا إلينا.

توبته:

كان، حفظه الله، في أيامه المدرسية الأولى سادرا في غلوائه كغالب المدرسين، إذ ذاك، ولم يزل والده، حفظه الله، يتعهده بالنصيحة حتى وافقت منه مرة ما وافقت فطوى أجنحته بسرعة، ثم أقبل على نفسه يحاسبها، فقضى ما عليه من الفرائض وأدى ما عليه من التبعات، وذلك

سنة 1332هـ. ثم أقبل على التهجد والصيام حتى أفرط في ذلك، وسمعت أن شيخنا سيدي الطاهر قال له إذ ذاك: رويدا رويدا، فعليك بالرفق، فإن الله يعين على الرفق ما لا يعين على الخرق، واكلف من العمل ما تطيق، فإن المنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع. فلم يزل على ذلك حتى رسخت فيه ملكة مراقبة الله، عز وجل، ثم صار يتراجع عن تزمته شيئا فشيئا حتى استعاد منه الأدب أريحيته فيعلو أسارير وجهة بشر المعاشرة فيملأ الأندية بالفكاهة والنكت الأدبية، وبكل ما شئت، فلا يمل ولا يضجر، لكنه عند دخول وقت الصلاة يتغير كأنه انقلب إلى رجل آخر، فلا تفوته أية صلاة في وقتها وإن كانت ما كانت فعليها يصاحب من يصاحب، ومن أجلها يفارق كثيرين بين أخ وصاحب، وقد اعتنى، من بين ما اعتنى به من كتب، بكتب الصوفية، فكان له من أنظارهم شيء غير قليل يسوي به ميزان أعماله، ويدخر بسببه ما يدخر من الإخلاص لوجه الله الكريم.

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد *** ذخرا يكون كصالح الأعمال

كثيرا ما يؤذن بنفسه حين كنا معه في المدرسة (التانكرتية) يوم كان يأخذ فيها، ويرى ذلك من أفضل أعماله، ويقول: إن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة.

مكانته في العلوم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت