فهرس الكتاب
رأيت أنه أكب على الأخذ نحو عشرين سنة، ثم لازم بعدها مجالس الدرس عشر سنين أو أكثر، وهو الذي نعرف منه أنه يتكل على محفوظاته لا على كتبه؛ لأنه لا كتب له فيكون دائما علمه معه في السوق أو في البيت ـ كما يقول الشافعي.
كما أننا نعرف منه دءوبا متزايدا ونشاطا كبيرا في الازدياد من المعلومات، فيزداد في كل يوم إما بالأخذ وإما بالمطالعة، ولا أظن أحدا من أقرانه أكثر منه مطالعة أيا كان لأنني رأيته يكب على أي كتاب وجده لا يفرق بين كتب الأدب وبين غيرها، فكما ينشط لمثل (نفح الطيب) ، وابن خلكان، وتزيين الأسواق، ومروج الذهب، وابن الأثير، وممتع الأسماع، ونزهة الحادي، وثمرات الأوراق، والمستطرف، وكل ما وجده من التواريخ، كذلك يطالع الحازي، وروح البيان، وروح المعاني، ثم يتجاوزها إلى التفاسير الحديثة، فيطالع تفسير الطنطاوي، وقد استعاره عند بعض الإلغيين، ثم له، أيضا، ولوع بمثل الذهب الإبريز، والعهود المحمدية، والأحياء، وعوارف المعارف، وديوان ابن الفارض، وشرح تائيته الكبرى، حتى إنه ليحفظ من أقوال ابن الفارض حتى من تائيته الكبرى، فيورد منها في رسائله الأدبية مثل ما يورد من أقوال أبي تمام والبحتري ومسلم بن الوليد وبشار وحماد عجرد
والحسن بن هاني والخنساء والأعشى والنابغتين؛ الذبياني والجعدي وحسان وكعب بن زهير وجرير والفرزدق، فضلا عن الأندلسيين الذين يستحضر لهم كثيرا جدا بإكبابه على نفح الطيب حتى تلاه عشرات المرات، وهو الرجل الذي رأيته يستحق أن يسمى رجل المطالعة فإنه لا ينكر أي كتاب من أي نوع؛ أدبيا أو صوفيا أو حديثيا أو تاريخيا على أي لون كان، عملا بقول الأديب المقتول: ابن المعتز:
قلبي وثاب إلى ذا وذا *** ليس يرى شيئا فيأباه
يهيم بالحسن كما ينبغي *** ويرحم القبح فيهواه