الصفحة 4216 من 9223

ولا تكاد تراه في كل لحظة إلا وكتاب في يده يفتتحه من أوله إلى آخره فإن جلس إليه متأدب من الطلبة في المدرسة يناوله إياه فيتلو عليه ويصحح له ما زلق فيه لسانه بالضبط وعهدي به، وإن كان ضيق العطن، كان واسع الصدر في هذه الحالة، لا يشمئز من أن يري الإنسان الصواب مرات في ضبط كلمة واحدة في كل يوم، ولا ينهره، ثم قيل لي: إنه حين ازداد حرج صدره بعدنا سرى إليه الحرج حتى في هذه الحالة، ثم هو لا يمل من كتاب كبير ذي أجزاء طوال كالمواهب، والتفاسير المطولة، فيتتبع الكتاب من مفتتحه إلى مختتمه، ثم لا يمنعه طوله من أن يبتدئه ثانيا إن تعلق له به غرض. وكان ذا ذاكرة حافظة؛ فكلما وقف على شيء يعجبه نثرا أو شعرا أو حديثا أو أثرا أو حكمة يكرره بغنته حتى يحفظه، وربما يقيد ذلك في ورقة ثم يرميها وليس له، كأقرانه، كنانيش يقيدون فيها أمثال ذلك، ففاقهم بأن صدره خزانته، فلا غرو أن كان في المحافل الأدبية أكثرهم حفظا وأعلاهم كعبا، فيستحضر من البخاري ومسلم، بل من الجماع الصغير، ولذلك يكثر دوران الحديث على لسانه. وقد أخذ هذه الكتب عن أشياخه، ثم طالعها وشرحها، ومن أغرب ما فيه من الولوع بالمطالعة: أنه يطالع الكتاب مرارا ثم يراجع مطالعته فينة بعد فينة.

وقد زرت مرة (إلغ) حوالي 1340هـ. فرأيته يتتبع كتاب (المضاف والمنسوب) للثعالبي، بالمطالعة مرارا، فيستحضر منه كثيرا، ثم لم يكن استحضاره كاستحضار بعض الذين نعرفهم من المتأدبين اليوم في بعض النواحي؛ يحاضرك فيستحضر ما طالعه عن قريب، ثم لا يبعد عنه الزمان حتى ينساه فيحل غيره مما طالعه، أيضا، محله، بل المترجم يستحضر اليوم ما كان يطالعه من قديم. وكما يعتني بحفظ الأدبيات والحكم يعتني كذلك بحفظ الأخبار والأسمار والنكات ولطائف المرويات، فينتشر كل ذلك من فيه بأدنى سبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت