الصفحة 4242 من 9223

ومثل هذا المجلس حولي مجلس آخر انعقد ليلا في دار الأستاذ أبي الحسن، حضره المترجم وشيخنا أبو محمد الإلغي، وأبو العباس اليزيدي، والفقيه سيدي عبد الله بن إبراهيم، والأديب سيدي محمد بن علي، وآخرون.

كان الوقت ليلا، فأحييناها من العشاء إلى منبثق الفجر، وكانت جلسة امتحان لي في إحدى قدماتي إلى (إلغ) نحو 1343هـ فكان كتاب يتلى، وأحسبه (نفح الطيب) ، فتتجاذب الأفهام، وكان المترجم واليزيدي معي دائما، فلا أنسى تلك الليلة وما قاما به نحوي ما حييت، وإنما ذكرت كل هذا ليعلم من يبتعدون عن (إلغ) كيف كان الجو الأدبي فيه إذ إلغ الغ، وإذ أهله أهله.

ثم انقضت تلك السنون وأهلها *** فكأنها وكأنهم أحلام

كان المترجم، ذكره الله بالخيرات، يجرؤ علي في النصح الصريح ما لا يجرؤ على نصح غيري، سواء كنت معه أم كنت نائيا معه أم كنت نائيا عنه، فينتقدني ويُقَوِّم اعوجاجي، فكم لطمة وكسعة (1) ورفسة وصفعة وركلة وقرصة تلقيتها منه في المدرسة (التانكرتية) في هذا السبيل، رفعه الله بها مقامات، ووفاه بها بأوفى المكايل، وجزاه عني خير الجزاء، حتى إنني، إذ ذاك، ربما تثور على نفسي الجموح، فاشتكى منه للأستاذ سيدي الطاهر التامانارتي فيزجره، ثم لا يعتم (2) أن يعاود كلما آنس مني ثانيا عملا معوجا، ولا أزال أتذكر أن أستاذنا لامه يوما عن ضربي لوما عنيفا، فقال له:

إما أن تقلع وإما أن تقلع ـ يعني: إما أن تنكف وإما أن ترتحل، من: أقلعت السفينة ـ وأنا اليوم أعتذر إليه عن تلك الشكايات، وأخلد له هنا شكرا خالدا أبدا.

ثم كان له معي هذا النصح الصريح ببراعته، فاقرأ ما كتب إلي في الرسالة الكبيرة الآتية بعد ما قرأ لي القصيدة البائية النبوية التي ارتكبت فيها الحوشي، مطلعها:

(1) كسعة: ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه.

(2) لا يعتم: لا يلبث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت