الصفحة 4243 من 9223

أتمنى القتل أيتها الصبابة *** فقد أبقيت من رمقى صبابة (1)

فليمعن القارئ النظر في الرسالة، وقد ندد فيها بما ندد به علي من الخروج عن الصراط المستقيم.

وأحب من القارئ أن يتأمل في تنديده بالتزام ما لا يلزم، الذي كان له في الأدب القديم ما له، وإن أدى بأصحابه إلى العسف عن الطريق، كما أنني سمعت منه ذلك الحين التنديد بالجناس إلا ما أتى عفوا، كما سمعت منه انتقاد الأدب الإلغي في أنه يكثر منه في الإخوانيات الدعاء، وقال: من أقبح القبيح في القريض: الدعاء الكثير، قال: والأدهى والأمرّ والأشنع ما نقرأه لهم من كثرة الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، في أخريات قصائدهم، مع أن ذلك ليس مما يعهد من قصائد الأدباء، ومن أراد أن يصلي على النبي، صلى الله عليه وسلم، فليصل عليه في غير هذا المقام، ولكل مقام مقال.

كذلك هو المترجم؛ يتعالى إلى أن يسير بالأدب الإلغي مسير الأدباء السالفين، لكنه لم يوفق كثيرا، بل ربما وقع هو نفسه في بعض ما انتقده، وما المرء إلا ابن بيئته، وقلما يجد منها متملصا.

أذكر أنني في بعض وفداتي 1342هـ. وقد عرفت شيئا من الأدب الحديث، صرت ألقي عليه ما يروقني من روعته، فيقول ما أستبين منه أنه

كان ممن سيعتنق هذا الأدب لو وافق في ثوبه القشيب، ولنذكر الآن ما جرى بيننا من النثر وغيره:

قدمت مرة إلى (إلغ) ، وذلك أواسط المحرم 1342هـ. فعند سماعه بقدومي أرسل إلى هذه الأبيات:

بشراك قلبي فهذا الحب قد وفدا *** وأطفأ الوصل ما بالهجر قد وقدا

أهلا به من حبيب طالما احترقت *** وكابدت كبدي من بينه الكبدا

أهلا بمقدمه أبقى على خلد *** قد فارق الصبر مذ فارقت والجلدا

ثم ناولني، عند الوداع، هذه القصيدة:

أللحب تبغي من ضلالتك الكتما *** وما تشتكي يقضي بإظهاره حتما

ألست إذا ما الليل ألقى رواقه *** تسامر من وجد تكابده النجما

(1) الصبابة: شدة العشق، وصبابة الشيء: ما بقى منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت