فهرس الكتاب
كلها، فصار غرس الأماني في أنامله يثمر بالجود قبل الإيراق، أستاذي وإمامي: أبو زيد سيدي ومولاي عبد الرحمان ابن الشريف، ولي الله، سيدي محمد الأحبالي الأخصاصي الحسني، فعلى حضرته التي استسفلت كعوبها مفارق المجرة، واجتمع فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من فنون المحاسن والمسرة، من السلام ما يبهرج عرفا أرج ما فض من النوافج (1) ، ولطفا لطافة صبا تنسمها الصب من تلقاء نعمان وعالج (2) ، ومن التحية ما تتعطر بنفحة من عطرها الأنحية، وتحدث للفدم (3) بنشقة من زهرها الأريحية.
هذا، فأول ما أنهي إلى سيدي أنني:
وإن عبرت عن شوقي بكتب *** تلهب في أناملي اليراع
لا أقدر أن أصف بالمداد، كل ما جرى على الخدود بعد البعاد:
كذا المرء ليست له قدرة *** لكيما يبين كل مراد
سوى أنني في الوقت الذي قرأنا فيه فاتحة التوديع، وأخيف فيه كل بالفراق وريع، وجدت قلبي هو المودع لا أنت، وشاهدت تلك الساعة كيف قيامة الساعة، وعاينت، وزلازل الجوى تقلقل الحشا، ومحمر الدمع دبج مصفر الخدود ووشى (4) ، والزفرات في اللهوات تعيد وتبدي، والصب ينشد لو كان ذلك الإنشاد يجدي:
ويلاه مما أقاسي *** إذ صرت في الناس سمعة
قد أحرق القلب مني *** حتى كأني شمعة
والتجلد حينئذ كأمس الدابر، والسلو معدود من سكان المقابر:
إن مر شيطان السلو بخاطري *** فشهاب شوقي في المكان يصيبه
والصب تتلاعب بعظامه من رياح الجوى الدبور والقبول (5) ، ويخطر (6) في عرصات التهتك بين برود النحول:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل *** لولا مخاطبتي إياك لم ترني
(1) النوافج: ج نافجة: وعاء المسك والعرف بفتح فسكون: الرائحة الطيبة وأرج يأرج كفرح يفرح: فاحت منه رائحة طيبة.
(2) نعمان وعالج من أمكنة العرب التي يذكرها المتغزلون.
(3) الفدم: الغليظ الطبع الثقيل الظل.
(4) دبج ووشى: زوق.
(5) أي: الريح الشرقية والغربية.
(6) خطر يخطر: مشى في زهو وتكبر.