فهرس الكتاب
ويعذلني العذول ولو رآه *** لنادم في مراقده حبابه (1)
إلى آخره، وهي كلها على هذا النمط المتكلف المعنى والقافية.
هذه هي الرسائل الثلاث التي أرسلتها إليه، إذ ذاك، مواليات في شهور متقاربة، فأجابني بتلك الرسالة الطويلة الممتعة ـ وستأتي ـ وقد وجدت أخيرا رسالة رابعة أرسلتها إليه من (فاس) بعد ان اعتنقت الأدب الحديث، وعزمت على أن أطلق الأدب القديم، وهي هذه:
"أستاذي، مولاي عبد الرحمان البوزاكارني، بعد إهداء أطيب التحايا، وأكرم السلام إلى سيادتكم أنهى إليك: أنني بعد ما بت الدهر عرا تلك المواصلة المواتية في تلك الأيام، ما كتبت إليك سوادا في بياض، لا لأني نسيتك، معاذ الله من نسيانك ومن نسيان أمثالك، بل لعلمي أن الاستمداد بالكتابة إليك إنما يكون من سويداء قلبي، فأشفقت عليها لكونها خزانة ذكراك فقط، لا لكونها بين جنبي ومنسوبة إلي، وكل ما له أدنى اتصال وأقل مساس بك، فهو أجل لدي من كل شيء، لكن لما أتى الوادي فطم على القرى (2) ، وشب عمرو عن الطوق (3) ، وجاوز الحزام الطبيين (4) ، وبلغ السيل الزبى (5) ، وأعمى الحب وأصم، تناولت اليراع رغم ارتعاش كفي، وتمايلي بكثرة الأشواق، واهتزازي بنسمات الذكريات، فاستمددت من السويداء، وأنا ذاهل عن حرمتها التي اكتسبتها بك"
"فالحب قد يهتك الأحماء والحرما" (6)
(1) الحباب بالضم: الحب.
(2) القري كغبي: جدول الماء وطم عليه غمره.
(3) عمرو بن هند أراد أهله أن يجعلوا له الطوق في عنقه كما كانوا يصنعون به وهو صغير فقبل في ذلك ما صار مثلا يضرب وهو شب الخ.
(4) الطبى بضم فسكون: الحلمة (بالتحريك) الزائدة في الضرع مثل: يضرب عند اشتداد الأمر وبلوغه منتهاه.
(5) الزبى جمع زبية وهي حفرة تحفر للأسد في رأس الرابية التي لا يعلوها ماء وهذا مثل يضرب أيضا عند اشتداد الأمر وبلوغه إلى غاية بعيدة.
(6) شطر بيت، والأحماء: جمع حمى. ما يحمى ويدافع عنه وكذلك الحرم وهو جمع حرمة.