فهرس الكتاب
ثم إنه وردت رسائلك، وتكاثرت في الجواب عنها وسائلك، وعهدت إلي بالانتقاد، على أن دأبي في أمثالك ـ التسليم والاعتقاد، وهبني انتقاد فمن لي بمطاوعة المفصل؟ وهل أنا في ذلك إذا عانيته إلا كما قيل: أكثر الحز وأخطأ المفصل) (1) ؟ وقد قرصتني في الأخريين بأبر العتاب، إن لم ألق بالا للجواب، ظانا بي الظنون، (لأمور تكون أو لا تكون) (2) ، وليست تلك الظنون من جنابكم لائقة، (أعيذها نظرات منك صادقة) (3) ، فوالله، يا أحب الأحبة إلي، وأعز الإخوان وأكرمهم علي، ما هو إلا أن قرأنا الأولى من الصحائف، وعثرنا على ما اشتملت به من حلل البدائع والمطارف
فوجمنا من المهابة حتى *** لا كلام منا ولا إيماء
فانتهى اقتداري، وحق له أن ينتهي، ووهت عزماتي، وما كان من شأنها أن تهي.
وكدت أضـ... إعجابا برؤيتها *** ومن رأى مثل ما أبصرت منها خـ..
لما شاهدت من عجائب تصير الأيادي باقلا (4) ، وتشيب حتى من كان عذاره باقلا (5) ، من قصائد هي لأفكار الناظرين مصائد، وأبيات هي على براعة ناظمها من أبدع آيات، وسجع مليح يهزأ بشق وسطيح (6)
(1) المفصل: بفتح الميم وكسر الصاد: أحد مفاصل الجسم، وأما بكسر الميم وفتح الصاد ـ وهو المتقدم ـ فاللسان والحز والقطع.
(2) شطر بيت وأوله:
سهرت أعين ونامت عيون *** لأمور تكون أو لا تكون
(3) قال المتنبي.
أعيذها نظرات منك صادقة *** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
(4) قس بن ساعدة الإيادي الفصيح المشهور، وباقل بن عمرو الهلالي مشهور بالفهاهة.
(5) بقل وجه الغلام: نبت شعره.
(6) كاهنان عند مبعث الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويذكران بالسجع في كلامهما.