الصفحة 4266 من 9223

، وبلاغة لو رآها قدامة (1) ما لبث من هيبة بيانها قدامه، وفصاحة أغرب فيها وأبدع، فأقصر عنها عبد الحميد ولم ينفعه حفظ كلام الأصلع (2)

قد تصرفت في الكتابة حتى *** عطل الناس ذكر عبد الحميد

وقواف لو رآها عويف (3) لا فرد عنها، ولم يحظ بالحظ اللفاء منها (4) ، ونسيب يصير ابن أبي ربيعة أجنبيا منه غير نسيب، ومديح منمنم يهز إلى المكارم نفس النكس والبرم (5) وألغاز (6) ، تنادي على المحاول فكها بالأعجاز، فلما تبينت من معجزتها ما تبينت، وأيقنت منها ما أيقنت، آمنت أن لا أديب ممن هو اليوم على وجه الأرض إلا أنت

فعلمت أنك لا تنال بحيلة *** فلويت رأسي تحت طي جناحي

وأحجمت عن تلك المعارك العظام، وأنشد لسان الحال:

"تنكب لا يقطرك الزحام" (7)

وسلمت تسليم انقياد، لا تسليم جدل وعناد، فلما طال علي الوجوم، ناجتني النفس بأن العار كل العار، والمعرة التي لا محيص لك عنها ولا فرار، أن لا ترى تدور حول ذلك الحمى وتحوم، وأنشدت:

هم القوم فاجهد في اتباع سبيلهم *** وإن لم تكن شبها لهم فتشبه

(1) قدامة بن جعفر من قدماء الأدباء المنتقدين للشعر والنثر، وله فيهما كتابان مطبوعان.

(2) الأصلع: علي بن أبي طالب، فقد قيل لعبد الحميد: ما بلغ بك هذا المبلغ في الفصاحة؟ فقال: حفظ كلام الأصلع.

(3) عويف القوافي مشهور بقوله:

سأكذب من قد كان يزعم أنني *** إذا قلت قولا لا أجيد القوافيا

(4) اللفاء كسحاب: القليل الخفيف.

(5) النكس بكسر فسكون: الرجل الضعيف الدنيء الذي لا خير فيه، والبرم بفتحتين: البخيل اللئيم. قال البوصيري:

وفارق الناس داء القحط وانبعثت *** إلى المكارم نفس النكس والبرم

(6) كانت ألغاز في أبيات مما أرسل إلى المترجم.

(7) قال:

فقلت لمحرز لما التقينا *** تنكب لا يقطرك الزحام

وقطره عن فرسه ألقاه عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت