فهرس الكتاب
الذي من بخسه حقه، ولم يوفه ما استحقه، هوى كما هوى، بأجرامه من قنة النيق منهوى (1) ، وإذا لم تطر (2) ذلك الجناب الرفيع، إلا بمثل ذلك الشنيع، فالسكوت أصوب، ومراعاة الأدب مع ذلك الجناب أوكد وأوجب
فرب سكون كان فيه بلاغة *** ورب كلام فيه عتب لعاتب
وعليه، فنكب من الغريب إلى المألوف، وعن المنكور إلى المعروف، فتلك طريقة الأدباء قبلك، فسدد لما سددوا إليه نبالهم نبلك، وتحرز عن الالتزام المؤدي إلى ذلك العيب الذي سارت بتقبيحه الرفاق، وعن جميع المحسنات إلا ما كان على سبيل الاتفاق:
إذا أحببت قول الشعر فاختر *** للفظك كل سهل ذي امتناع
ولا تقصد مجانسة ومكن *** قوافيه وكله إلى الطباع
فلا تسلك بعدها تلك الطريقة التي هي طريقة المتعسفين، يعظكم الله أن تعودوا لمثله ابدا إن كنتم مؤمنين، فاستحضر ما وصى به أبا عبيدة أبو تمام (3) ، وتتبعه من البدء إلى التمام، تعثر على المرام، والسلام.
وربما سنح لك الاعتذار عن الغريب، بأنك هناك غريب، وكل غريب للغريب نسيب، وبقول ابن خميس:
ما ذاق طعم بلاغة *** من ليس للحوشي ماضغ
فإن ذلك لا ينهض حجة، بل هو عدول عن واضح المحجة. أما الاعتذار الثاني، فقد ردوه على ابن خميس ردا، وعدوه من مخترعاته التي انفرد بها عدا، وهبهم سلموه فإنما ذلك في غير ذلك الجناب الفسيح الرحاب، المقبل الأعتاب، وأما هو، فكل يقول بملء فيه، باجتناب ذلك فيه. وأما الاعتذار بالأول، فلا نحتاج فيه لشفاء الغلة ببيان العلة
إذا كان وجه العذر ليس بظاهر *** فإن اطراح العذر خير من العذر
(1) قال:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى *** بأجرامه من قنة النيق منهوى
والأجرام: جمع جرم بالكسر: الجسد، وقنة الجبل: أعلاه، والنيق بالكسر: أرفع موضع في الجبل.
(2) أطراه يطريه: مدحه وبالغ في الثناء عليه.
(3) توجد هذه الوصية في كتب الأدب، ككتاب (جواهر الأدب) وغيره.