الصفحة 4272 من 9223

حتى صار ثمر الأدب طريا، وقصره عليا، ومقامه سنيا، فتربع في دست (1) اعتلائه، وترصع دره بعلائه، فعادت أيام البحتري بلطافة شعره، وعصر الفتح بن خاقان بانسجام نثره، وقامت سوق عكاظ (2) ، بجزالة المعاني والألفاظ، وأيام الرشيد، بكثرة المتأدبين حول قصر أدبه المشيد، فاعتدل به الزمان، وامتد به لاندثار الآداب السوسية رواق الأمان. فتبلجت من قريحته قصائد، للعقول صوائد، ومقطعات ساطعات، ورسائل موشحات، كخمائل نافحات، انشرح بها صدر الأدب، وانقضى بها العجب، قواف وأسجاع كالقصور، عليها الحسن مقصور، كأنها برود الحدائق الموشية الأزهار، أو أنوار الشمس المشرقة في رابعة النهار، تكاد تشرب رقة وحلاوة، وانسجاما وطلاوة

هي تجري مجرى الإصابة في الرأ *** ي ومجرى الأرواح في الأجسام

وله من نثره وشعره، بل من جوهره ودره، ما يجلو ظلم الفكر، ويرتفع بروايته عند الغير""

السجع:

أقول: إن رأيي الخاص في السجع: أنه إذا خف على السمع وقبله الذوق السليم فإنه من الآثار الأدبية التي لا ينبغي أن تطرح بالكلية، لا في الأدب القديم ولا في الأدب الحديث، فإنه من الشعر المرسل أو من النثر المقيد، فسمه كيف شئت، وأيا كان، فلا تزال له مكانة في بعض الكلام حتى في هذا العصر الحديث، وإن كان الكلام المرسل الطافح بالبلاغة المتدفقة السيالة، الذي يحوي من الشعور الحي ما يتراءى نظيره من بعض الأشعار البليغة، هو أعلى وأغلى وأجلى وأنصع من غيره، والجمع بين السجع الطويل أو الفواصل المتزنة، كما يوجد في غالب القرآن، كما حرره ابن الأثير من معجزات القرآن. ولا يزال أدباء اليوم من كبار الكتاب يتعالون

(1) الدست بالفتح: صدر البيت الذي يجلس فيه المحترم في المجلس.

(2) عكاظ ـ كغراب: أحد أسواق العرب الثلاثة في الجاهلية، يذكر ويؤنث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت