الصفحة 4277 من 9223

وبعد ما لازم (البيضاء) ما شاء الله، انقطع إلى (الرباط) مقيما إقامة ألقى فيها عصاه، فصار يتصل بعلماء (الرباط) ، من شيخنا سيدي المدني فمن دونه كساداتنا العلماء: سيدي الحاج محمد بن عبد الله، وسيدي عبد الواحد، وسيدي عبد الله الجراري، وسيدي مصطفى بن مبارك، وسيدي مصطفى الغربي، والتطواني، وأمثالهم، فتمضي له معهم مجالس وبحوث، فأطال علماء العدوتين العجب في استحضاره، خصوصا في الأدب واللغة والسيرة وشواهد الأبيات. ثم طاب له أن يستقر أخيرا في مسكن معين، لا يكاد يغادره إلا للرياضة التي يلازمها على رجليه صباح مساء، ثم انقطع عن غالب المعاريف، وقد أقبل على كثرة النوافل والأوراد حتى إن وقته بها عامر، لكنه لم يستدبر المطالعة، وقد تفتح ذهنه فأدرك ما كان غائبا عنه عن هذا العصر العجيب، حتى إنه وطني غيور، وقد ندم على عدم إتيانه للحواضر قبل في ريق شبيبته.

وبعد، فقد قال لما قرئت عليه هذه الترجمة (1) : إن فلانا أطراني بما ليس في، ورفعني إلى مكانة أنا دونها بكثير، ولكن حسن الظن من التلاميذ للأساتذة ربما كان هو الحامل له على ذلك. فقلت أنا لما وصلني هذا: الحمد لله على أن الأستاذ لا يزال حيا، ليقابل القارئون من الحواضر ما كتبته عنه وبين مكانته السامية في المعارف، فها هو ذا عينه فراره، وهو بنفسه مصداق كل ما كتبته عنه.

ومحصل ما يقولون عنه بعد ما يرون منه ما يرون: إن البادية التي خرجت مثل هذا العلامة الماهر المستحضر، الذي علمه معه، لبادية زاخرة بالمعارف، وهو طغراء ما بلغته العلوم العربية في (سوس) ، وكفى سوس شرفا أن يكون مولاي عبد الرحمان البوزاكارني ميزان التفوق والتحصيل، وما يوم حليمة بسر.

وكل من رأى الأستاذ يلمس هذا بالنظرة الأولى، وهو برهان سوس يوم يقال لنا:"هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ".

وفاته:

(1) نعم، أخفيت عنه ما كتبته عن أخلاقه، لأنه، رحمه الله، لا يتحمل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت